812 775 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
16925 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ ، صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ . فَسَأَلَ : مَنْ يَلِي عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ؟ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ، فَذَكَرَ لَهُمُ الَّذِي عَرَضَ لَهُ فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ . وَيَفْتَدِيَ . فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ ، فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ . ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ ، وَيُهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ .
[12/95] 16926 - قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ . وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ ، حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ ، وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ : أَنْ يُحِلَّا بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا . ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا ، وَيُهْدِيَانِ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ .
16927 - قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ ، إِمَّا بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ ، أَوْ بِخَطَإ مِنَ الْعَدَدِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ ، فَهُوَ مُحْصَرٌ . عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ .
16928 - وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ ، ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ ، أَوْ بَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ أَوِ امْرَأَةٌ تَطْلُقُ . قَالَ : مَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُحْصَرٌ . يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ ، إِذَا هُمُ أُحْصِرُوا .
16929 - قَالَ مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ . حَتَّى إَذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ . ثُمَّ كُسِرَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ قَالَ مَالِكٌ : أَرَى أَنْ يُقِيمَ . حَتَّى إِذَا بَرِأَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ . ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ . وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلُّ . ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ .
16930 - قَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ . ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ .
16931 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ . فَإِنِ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ ، فَدَخَلَ [12/96] بِعُمْرَةٍ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ . فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا . وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ . فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ . فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; حَلَّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ . وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; لِأَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ ، وَسَعْيَهُ ، إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ . وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ .


16932 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ " : إِنَّهُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ " ، فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ .
16933 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ .
16934 - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأحَمَّدٌ ، وَإِسْحَاقُ .
16935 - وَمَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ إِنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ إِذَا بَعَثَ بِهَدْيٍ وَوَاعَدَ صَاحِبَهُ ثُمَّ يَوْمَ يَنْحَرُهُ جَازَ له أَنْ يَحِلَّ وَهُوَ بِمَوْضِعِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ .
16936 - وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ [ مِنْ ] طَرِيقٍ مُنْقَطِعٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
.
16937 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .
16938 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ .
[12/97] 16939 - وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ ، قَالَتْ : مَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ عَرَجٍ فَقَدْ حَلَّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ هَذَا فِيهِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ .
16940 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ .
16941 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ يَقُولُ ] : " مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى .
16942 - رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الصَّوَّافُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو ، فَذَكَرَهُ .
16943 - قَالَ عِكْرِمَةُ : حَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا : صَدَقَ .
16944 - هَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّوَّافِ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ .
16945 - وَرَوَاهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَمُعَاوَيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْخَلُوا بَيْنَ عِكْرِمَةَ وَبَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَافِعٍ .
16946 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) .
16947 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَقَدْ حَلَّ " ، أَيْ فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَحِلَّ بِمَا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْصَرُ مِنَ النَّحْرِ أَوِ الذَّبْحِ ، لَا أَنَّهُ قَدْ حَلَّ بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ إِحْرَامِهِ .
[12/98] 16948 - قَالُوا : وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ : قَدْ حَلَّتْ فُلَانَةُ لِلرِّجَالِ ، إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا . يُرِيدُونَ بِذَلِكَ : حَلَّ لِلرِّجَالِ أَنْ يَخْطِبُوهَا وَيَتَزَوَّجُوهَا بِمَا تَحِلُّ بِهِ الْفُرُوجُ فِي النِّكَاحِ مِنَ الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ .
16949 - هَذَا تَأْوِيلُ مَنْ ذَهَبَ [ مَذْهَبَ ] الْكُوفِيِّينَ .
16950 - وَتأولَ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْحِجَازِيِّينَ : " أَيْ فَقَدْ حَلَّ " : إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ حِلًّا كَامِلًا . وَحَلَّ لَهُ بِنَفْسِ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ أَنْ يَفْعَلَ مَا شاءَ مِنْ إِلْقَاءِ التَّفَثِ ، وَيَفْتَدِي .
16951 - وَلَيْسَ الصَّحِيحُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَتَبَيَّنَ فِيهِ مَذْهَبُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْحِجَازِيِّين .
16952 - وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَنَذْكُرُ نُصُوصَ أَقْوَالِهِمْ لِيُوقَفَ كَذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ .
16953 - قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ بَعَثَ بِهَدْيٍ فَنُحِرَ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَإِنْ نَحَرَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجْزِهِ .
16954 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّهُ إِذَا أُحْصِرَ الرَّجُلُ بَعَثَ بِهِ وَوَاعَدَ الْمَبْعُوثَ مَعَهُ يَوْمًا يَذْبَحُهُ فِيهِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ حَلَقَ - عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - أَوْ قَصَّرَ - وَحَلَّ وَرَجَعَ .
16955 - فَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ قَضَى حَجَّةً وَعُمْرَةً ; لِأَنَّ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ صَارَ عُمْرَةً . وَإِنْ كَانَ قَارِنًا قَضَى حَجَّةً وَعُمْرَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ قَضَى عُمْرَةً .
[12/99] 16956 - وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمُ الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ أَوْ بِمَرَضٍ .
16957 - وَذَكَرَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، قَالَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَأُحْصِرَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِثَمَنِ هَدْيٍ فَيُشْتَرَى لَهُ بِمَكَّةَ ، فَيُذْبَحَ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَحِلَّ ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَقْصِيرٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، لِأَنَّ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنَ النُّسُكِ شَيْءٌ .
16958 - وًقالَ أَبُو يُوسُفَ : يُقَصِّرُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
16959 - وَقَالُوا : إِنْ فَعَلَ فَالْهَدْيُ ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَ مَكَانَهُ ، وَإِنْ شَاءَ انْصَرَفَ ، وَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ بَعَثَ فَاشْتُرِيَ لَهُ الْهَدْيُ ، وَتَوَاعَدَهُمْ يَوْمًا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ حَلَّ وَكَانَ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ مَكَانَهَا .
16960 - قَالُوا : وَإِذَا كَانَ الْمُحْصَرُ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَبْعَثُ فَيُشْتَرَى لَهُ هَدْيَانِ فَيُنْحَرَانِ عَنْهُ ، وَيَحِلُّ ، وَعَلَيْهِ عُمْرَتَانِ وَحَجَّةٌ ، فَإِنْ شَاءَ قَضَى الْعُمْرَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ وَالْحَجَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّ الْعُمْرَتَيْنِ إِلَى الْحَجَّةِ .
16961 - وَهَكَذَا عِنْدَهُمُ الْمُحْصَرُ بِأَيٍّ كَانَ : بِعَدُوٍّ أُحْصِرَ أَوْ بِمَرَضٍ : يُذْبَحُ هَدْيُهُ فِي الْحَرَمِ ، وَيَحِلُّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إِنْ سَاقَ هَدْيًا ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ .
16962 - هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ .
16963 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَتَحَلَّلُ دُونَ يَوْمِ النَّحْرِ إِنْ كَانَ حَاجًّا .
[12/100] 16964 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ .
16965 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُحْصَرِ بِعُمْرَةٍ مَتَى شَاءَ ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ سَوَاءٌ بَقِيَ الْإِحْصَارُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ زَالَ .
16966 - وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ إِنْ بَقِيَ الْإِحْصَارُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ جَزَى ذَلِكَ عَنْهُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَإِنْ صَحَّ قَبْلَ فَوَتِ الْحَجِّ لَمْ يَجْزِهُ وَكَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ عَلَى حَالِهِ .
16967 - قَالَ : وَلَوْ صَحَّ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ بَعَثَ بِالْهَدْيِ نَظَرَ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ قَبْلَ أَنْ يُذْبَحَ مَضَى حَتَّى يَقْضِيَ عُمْرَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ حَلَّ إِذَا نُحِرَ عَنْهُ الْهَدْيُ .
16968 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَفِيهِ ضَعْفٌ وَتَنَاقُضٌ ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ لِمُحْصَرٍ بِعَدُوٍّ وَلَا بِمَرَضٍ أَنْ يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ ، وَإِنْ أَجَازُوا لِلْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدَ حَامِلَهُ يَوْمَ يَنْحَرُهُ فِيهِ فَيَحْلِقُ وَيَحِلُّ ، فَقَدْ أَجَازُوا لَهُ أَنْ يَحِلَّ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ وَبُلُوغِهِ ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْإِحْلَالِ بِالظُّنُونِ ، وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَزِمَهُ شَيْءٌ مِنْ فَرَائِضِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِالظَّنِّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ قَوْلُهُمْ : لَوْ عَطِبَ ذَلِكَ الْهَدْيُ ، أَوْ ضَلَّ أَوْ سُرِقَ ; فَحَلَّ مُرْسِلُهُ وَأَصَابَ النِّسَاءَ وَصَادَ ; أَنَّهُ يَعُودُ حَرَامًا ، وَعَلَيْهِ جَزَاءُ مَا صَادَ . فَأَبَاحُوا لَهُ فَسَادَ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ ، وَأَلْزَمُوهُ مَا يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ .
16969 - وَهَذَا مَا لَا خَفَاءَ بِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَضَعْفِ الْمَذْهَبِ ، وَإِنَّمَا بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ [12/101] عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي خِلَافِ غَيْرِهِ لَهُ .
16970 - وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ : " الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الْبَيْتُ " فَمَعْنَاهُ الْمُحْرِمُ يمَرَضٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ . فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ يَتَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى ، فَإِذَا بَرَأَ أَتَى الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ وَسَعَى ، وَلَا يَحِلُّ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ .
16971 - وَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءٌ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
16972 - وَالنَّاسُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ ، وَحَدِيثُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ أَيْضًا .
16973 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ صُرِعَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَسَأَلَ مَنْ يَلِي عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ بِهِ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ " ، فَمَعْنَاهُ أَيْضًا مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ .
16974 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهِ : " فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ " فَإِنَّهُ أَرَادَ : إِذَا صَحَّ أَتَى مَكَّةَ فَعَمِلَ عُمْرَةً ، هُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ .
16975 - ( ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَيُهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) .
16976 - قَالَ مَالِكٌ : " وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ " ، يُرِيدُ أَنَّهُ يَقْضِي حَجَّهُ إِنْ كَانَ حَاجًّا ، أَوْ عُمْرَتَهُ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا ، بِخِلَافِ مَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ .
[12/102] 16977 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ ، وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ وَأَتَيَا أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا ، ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا وَيَهْدِيَانِ . إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ : فَإِنَّهُ أَرْسَلَ هَذَا حُجَّةً لِمَذْهَبِهِ بِأَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الْبَيْتُ يَطُوفُ بِهِ ، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِذَا كَانَ مُحْصَرًا حَابِسٌ لَهُ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَجِّ ، وَهُوَ كَالَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ بِغَيْرِ مَرَضٍ مِنْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ عُذْرٍ ، يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُه الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ ، وَهُوَ عَمَلُ الْعُمْرَةِ ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ وَهَبَّارًا بِذَلِكَ .
16978 - ثُمَّ أَبَانَ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ فِيهِ ، فَقَالَ : " كُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ : إِمَّا بِمَرَضٍ ، أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ بِخَطَأٍ مِنَ الْعَدَدِ ، أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ ، فَهُوَ مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ " .
16979 - وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ ، وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ حُكْمُهُمَا سَوَاءٌ ، كِلَاهُمَا يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لَا يَذْبَحُهُ إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى .
16980 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : يَنْحَرُهُ حَيْثُ حُبِسَ فِي حِلٍّ كَانَ أَوْ حَرَمٍ .
16981 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : إِنَّمَا يَنْحَرُهُ فِي الْحِلِّ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْحَرَمِ .
16982 - وَالْمَعْرُوفُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ [ قَالَ ] ، فِي الْمُحْصَرِ : يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [12/103] بِدَلِيلِ نَحْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدْيَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ . وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْبُلُوغَ عَلَى مَنْ قَدَرَ لَا عَلَى مَنْ أُحْصِرَ .
16983 - وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ : فِي الْمَكِّيِّ وَالْغَرِيبِ يُحْصَرُ بِمَكَّةَ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ .
16984 - قَالَ مَالِكٌ : " إِذَا بَقِيَ الْمَكِّيُّ مَحْصُورًا حَتَّى فَرَغَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّي وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمُعْتَمِرُ ، وَيَحِلُّ ، فَإِذَا كَانَ قَابِلٌ حَجَّ وَأَهْدَى .
16985 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ : أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلًا فَقَطْ .
16986 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ مُجَرِّدًا لَهَا الطَّوَافَ .
16987 - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ أُحْصِرَ فِي مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ .
16988 - وَقَالَ أبوَ بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمَالِكِيُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُحْصَرِ الْمَكِّيِّ : " إنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ إِعَادَةِ الْحَجِّ ، وَالْهَدْيِ " . هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
[12/104] 16989 - قَالَ : وَالْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدِي قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي أَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ يُقِيمَ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ يَتَعَالَجُ ، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ .
16990 - فَأَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ما لَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ ، فَإِنَّهُ يَحْضُرُ الْمَشَاهِدَ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ .
16991 - قَالَ : وَقَدْ عَارَضَ مَالِكٌ الزُّهْرِيَّ بِمُعَارَضَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ، فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ تَطْلُقُ أَوْ بَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ ؟ قَالَ : وَهَذَا لَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْإِبَاحَةُ ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَقَعُ إِلَّا لِمَنْ فِي طَاقَتِهِ فِعْلُ الشَّيْءِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ فِي طَاقَتِهِ فِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنَّهُ لَا تَقَعُ الْإِبَاحَةُ لِمِثْلِهِ .
16992 - وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ عُرْوَةَ وَالزُّهْرِيِّ .
16993 - قَالَ عُرْوَةُ فِي الرَّجُلِ إِذَا أُحْصِرَ بِكَسْرٍ ، أَوْ لَدْغٍ ; فَامْتَنَعَ مِنَ الْمَصِيرِ حَتَّى يَفُوتَ وَقْتُ الْحَجِّ : أَنَّهُ إِنْ شَاءَ بَعَثَ بِهَدْيٍ فَيَحِلُّ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ ، وَلُبْسُ ثِيَابِهِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا وَيَبْقَى مُحْرِمًا مِنَ النِّسَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْكَعْبَةِ مَتَى وَصَلَ ، وَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحِلُّ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ ، وَالْهَدْيُ .
16994 - قَالَ : فَعَلَى قَوْلِ عُرْوَةَ الْهَدْيُ الْأَوَّلُ غَيْرُ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَتَحَلَّلُ بِهِ فِي حِلَاقِ الشَّعْرِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ ، وَالْهَدْيُ الثَّانِي بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
16995 - قَالَ : وَالْمَعْنَى إِنْ أُحْصِرْتُمْ فَأَرَدْتُمْ أَنْ تَحْلِقُوا رُؤوسَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ; فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ .
[12/105] 16996 - فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَهَذَا هَدْيٌ ثَانٍ ; لِأَنَّ الْهَدْيَ الْأَوَّلَ لِلمتَّمَتُّعِ بِالْحِلَاقِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ .
16997 - قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : الْهَدْيُ الْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي ، ثُمَّ احْتَجَّ بِذَلِكَ ، فَطَالَ .
16998 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ الْكِتَابِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ بِأَنَّهُ هَدْيٌ وَاحِدٌ عَلَى الْمُحْصَرِ .
16999 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَمَامَ الْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ . وَفِي الْعُمْرَةِ الدُّخُولُ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْبَيْتِ لِلطَّوَافِ بِهِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلَا يَحِلُّ وَلَا يَتِمُّ حَجُّهُ وَلَا عُمْرَتُهُ إِلَّا بِمَا وَصَفْنَا . وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَعَانٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
17000 - قَالَ : وَإِنْ أُحْصِرَ مُتَمَتِّعٌ مِنَ الْوُصُولِ فِي الْحَجِّ إِلَى عَرَفَةَ فِي الْفَتْرَةِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; فَعَلَى مَنْ مُنِعَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْحَجِّ ، وَمَا ذَكَرْنَا فِي الْعُمْرَةِ بِمَرَضٍ ، أَوْ غَيْرِ مَرَضٍ مِنْ كُلِّ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَعِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ مِنْ كُلِّ مَانِعٍ غَيْرِ الْعَدُوِّ - أَنْ يَبْقَى عَلَى حالِهِ فَيَصِلُ إِلَى الْبَيْتِ ، فَيَحِلُّ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ ، وَيُهْدِي كَالَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ سَوَاءً ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ ثِيَابٍ أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ فَتِلْكَ فِدْيَةُ الْهَدْيِ .
17001 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْفِدْيَةَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي كَعْبِ بْنِ [12/106] عُجْرَةَ مِنَ التَّخْيِيرِ فِي الصِّيَامِ . أَوِ الصَّدَقَةِ ، أَوِ النُّسُكِ .
17002 - وَالنُّسُكُ هَهُنَا لِمَنْ لَيْسَ يُهْدِي ، وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَلَيْسَ هَهُنَا أَمْرُ يُهْدِي فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ لِمَنْ شَاءَ أَنْ لَا يَنْسِكَ بِشَاةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَامٌ وَصَدَقَةٌ ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَنْسِكَ بِشَاةٍ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هَذَا حِلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْهَدْيُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ .
17003 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي تَمَّامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ حَبَسَهُ بَلَاءٌ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ ; فَإِنَّهُ يَحِلُّ حَيْثُ حُبِسَ .
17004 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لَا حَصْرَ إِلَّا مَا أَحْصَرَ الْعَدُوُّ " ، أَيْ : لَا يَحِلُّ لِمُحْصَرٍ أَنْ يَحِلَّ دُونَ الْبَيْتِ إِلَّا مَنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ .