|
120 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ : فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ( حَدَّثَنِي أَخِي ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ . قَوْلُهُ : ( حَفِظْتُ عَنْ ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " مِنْ " بَدَلَ " عَنْ " ، وَهِيَ أَصْرَحُ فِي تَلَقِّيهِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا وَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( وِعَاءَيْنِ ) أَيْ ظَرْفَيْنِ ، أَطْلَقَ الْمَحَلَّ وَأَرَادَ بِهِ الْحَالَّ ، أَيْ : نَوْعَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي " كُنْتُ لَا أَكْتُبُ " ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ مَحْفُوظَهُ مِنَ الْحَدِيثِ لَوْ كُتِبَ لَمَلَأَ وِعَاءَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمْلَى حَدِيثَهُ عَلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ فَكَتَبَهُ لَهُ وَتَرَكَهُ عِنْدَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَوَقَعَ فِي الْمُسْنَدِ عَنْهُ " حَفِظْتُ ثَلَاثَةَ أَجْرِبَةٍ ، بَثَثْتُ مِنْهَا جِرَابَيْنِ " . وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِحَدِيثِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْوِعَاءَيْنِ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْآخَرِ بِحَيْثُ يَجِيءُ مَا فِي الْكَبِيرِ فِي جِرَابَيْنِ وَمَا فِي الصَّغِيرِ فِي وَاحِدٍ . وَوَقَعَ فِي الْمُحَدِّثِ الْفَاضِلِ لِلرَّامَهُرْمُزِي مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " خَمْسَةَ أَجْرِبَةٍ " ، وَهُوَ - إِنْ ثَبَتَ - مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ . وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا نَشَرَهُ مِنَ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِمَّا لَمْ يَنْشُرْهُ . قَوْلُهُ : ( بَثَثْتُهُ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ تُدْغَمُ فِي الْمُثَنَّاةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَيْ : أَذَعْتُهُ وَنَشَرْتُهُ ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فِي النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْمُصَنِّفَ - الْبُلْعُومُ مَجْرَى الطَّعَامِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنِ الْقَتْلِ . وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ " لَقُطِعَ هَذَا " يَعْنِي رَأْسَهُ . وَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْوِعَاءَ الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَبْيِينُ أَسَامِي أُمَرَاءِ السُّوءِ وَأَحْوَالِهِمْ وَزَمَنِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَكُنِّي عَنْ بَعْضِهِ ، وَلَا يُصَرِّحُ بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ ، كَقَوْلِهِ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ ، يُشِيرُ إِلَى خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : جَعَلَ الْبَاطِنِيَّةُ هَذَا الْحَدِيثَ ذَرِيعَةً إِلَى تَصْحِيحِ بَاطِلِهِمْ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَذَلِكَ الْبَاطِنُ إِنَّمَا حَاصِلُهُ الِانْحِلَالُ مِنَ الدِّينِ . قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ : " قُطِعَ " أَيْ : قَطَعَ أَهْلُ الْجَوْرِ رَأْسَهُ إِذَا سَمِعُوا [1/262] عَيْبَهُ لِفِعْلِهِمْ وَتَضْلِيلَهُ لِسَعْيِهِمْ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَكْتُوبَةَ لَوْ كَانَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَسِعَهُ كِتْمَانُهَا ؛ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ مَنْ كَتَمَ الْعِلْمَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالْمَلَاحِمِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفْهُ ، وَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مَنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ .
|