1374 - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، أَتَاهُ مَلَكَانِ ، فَيُقْعِدَانِهِ ، فَيَقُولَانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَالَ قَتَادَةُ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : - وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ ، فَيُقَالُ : لَا دَرَيْتَ ، وَلَا تَلَيْتَ ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ .


سَادِسُ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ أَنَسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي " بَابِ خَفْقِ النِّعَالِ " وَعَبْدُ الْأَعْلَى الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى السَّامِيُّ - بِالْمُهْمَلَةِ - الْبَصْرِيُّ ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَأَوَّلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدٍ بِهَذَا السَّنَدِ : " أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَفَزِعَ فَقَالَ : مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَاسٌ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَقَالَ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ . قَالُوا : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ؟ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَأَفَادَ بَيَانَ سَبَبِ الْحَدِيثِ .
قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ) زَادَ مُسْلِمٌ : " إِذَا انْصَرَفُوا " . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : " يَأْتِيهِ مَلَكَانِ " . زَادَ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا : الْمُنْكَرُ ، وَلِلْآخَرِ : النَّكِيرُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ : " يُقَالُ لَهُمَا : مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ " . زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " أَعْيُنُهُمَا مِثْلُ قُدُورِ النُّحَاسِ ، وَأَنْيَابُهُمَا مِثْلُ صَيَاصِي الْبَقَرِ ، وَأَصْوَاتُهُمَا مِثْلُ الرَّعْدِ " . وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَزَادَ : " يَحْفِرَانِ بِأَنْيَابِهِمَا ، وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا ، مَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ ، لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ مِنًى لَمْ يُقِلُّوهَا " . وَأَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " حَدِيثًا فِيهِ : " إِنَّ فِيهِمْ رُومَانُ وَهُوَ كَبِيرٌ " . وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اسْمَ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُذْنِبَ : مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، وَأَنَّ اسْمَ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُطِيعَ : مُبَشِّرٌ وَبَشِيرٌ .
قَوْلُهُ : ( فَيُقْعِدَانِهِ ) زَادَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ " ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " فَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالصَّوْمُ عَنْ شِمَالِهِ ، وَفِعْلُ الْمَعْرُوفِ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ . فَيُقَالُ لَهُ : اجْلِسْ ، فَيَجْلِسُ ، وَقَدْ مَثَلَتْ لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ الْغُرُوبِ " . زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : " فَيَجْلِسُ فَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ : دَعُونِي أُصَلِّي " .
قَوْلُهُ : ( فَيَقُولَانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ؟ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّلِهِ : " مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ فَإِنْ هَدَاهُ اللَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ . فَيُقَالُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ " . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ [3/281] : " مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟ " وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : " فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . فَيُقَالُ لَهُ : صَدَقْتَ " . زَادَ أَبُو دَاوُدَ : " فَلَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهِمَا " . وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْعِلْمِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهِمَا : " فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا . فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا " . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : " فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ ، فَيَكُونُ فِي أَحْلَى نَوْمَةٍ نَامَهَا أَحَدٌ حَتَّى يُبْعَثَ " . وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " وَيُقَالُ لَهُ : نَمْ ، فَيَنَامُ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ " . وَلِابْنِ حِبَّانَ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : " وَيُقَالُ لَهُ : عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ ، وَعَلَيْهِ مِتَّ ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " .
قَوْلُهُ : ( فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : " فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا بَيْتُكَ كَانَ فِي النَّارِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ ، فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ . فَيَقُولُ : دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِي ، فَيُقَالُ لَهُ : اسْكُتْ " . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : " كَانَ هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ " . وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : " فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ ؟ فَيَقُولُ : مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ ، فَتُفْرَجَ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ " . وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، لَوْ أَسَاءَ ؛ لِيَزْدَادَ شُكْرًا " . وَذَكَرَ عَكْسَهُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ قَتَادَةُ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ : " سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَيُمْلَأُ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَوْصُولَةً مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ : وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا . زَادَ ابْنُ حِبَّانَ : فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا . وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَيُرْحَبُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ . وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الطَّوِيلِ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا فِي الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ . قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ . زَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ، فَيُعَادُ الْجِلْدُ إِلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ ، وَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِي نَسَمِ طَائِرٍ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ " . ،
قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَتَقَدَّمَ فِي " بَابِ خَفْقِ النِّعَالِ " بِهَا " وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ " بِالشَّكِّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ . وَكَذَا لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الطَّوِيلِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : " وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا " . بِالشَّكِّ ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ : " فَإِنْ كَانَ فَاجِرًا أَوْ كَافِرًا " . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهَا : " وَأَمَّا [3/282] الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ " . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : " وَأَمَّا الْمُنَافِقُ " . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : " وَأَمَّا الرَّجُلُ السُّوءُ " . وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ " . فَاخْتَلَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ لَفْظًا ، وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ يُسْأَلُ ، فَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ إِنْ مُحِقًّا وَإِنْ مُبْطِلًا ، وَمُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، قَالَ : " إِنَّمَا يُفْتَنُ رَجُلَانِ : مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَلَا يَعْرِفُهُ " . وَهَذَا مَوْقُوفٌ . وَالْأَحَادِيثُ النَّاصَّةُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُسْأَلُ مَرْفُوعَةٌ مَعَ كَثْرَةِ طُرُقِهَا الصَّحِيحَةِ فَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ ، وَجَزَمَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ بِأَنَّ الْكَافِرَ يُسْأَلُ ، وَاخْتُلِفَ فِي الطِّفْلِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، فَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ بِأَنَّهُ يُسْأَلُ ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي النَّبِيِّ : هَلْ يُسْأَلُ ، وَأَمَّا الْمَلَكُ فَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا ذَكَرَهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ يَخْتَصُّ بِمَنْ شَأْنُهُ أَنْ يُفْتَنَ ، وَقَدْ مَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى الْأَوَّلِ ، وَقَالَ : الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ لِمَنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ الْجَاحِدُ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ دِينِهِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " كِتَابِ الرُّوحِ " وَقَالَ : فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ : " وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ " . بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : " فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - وَإِنْ كَانَ كَافِرًا " . وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - فَيَأْتِيهِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ " ، الْحَدِيثَ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ هَكَذَا . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُمَرَ : فَأَمَّا الْكَافِرُ الْجَاحِدُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ يُسْأَلُ عَنْ دِينِهِ ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ نَفْيٌ بِلَا دَلِيلٍ . بَلْ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُسْأَلُ عَنْ دِينِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وَقَالَ تَعَالَى : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ لَكِنْ لِلنَّافِي أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ : " وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ " . وَفِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ : " فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولَ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ " وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ : هَاهْ هَاهْ ، لَا أَدْرِي . فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : هَاهْ هَاهْ ، لَا أَدْرِي . فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ : هَاهْ هَاهْ ، لَا أَدْرِي " . وَهُوَ أَتَمُّ الْأَحَادِيثِ سِيَاقًا .
قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ ) فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ : " سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ " . وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ .
قَوْلُهُ : ( لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : قَوْلُهُ : " تَلَيْتَ " أَصْلُهُ تَلَوْتَ ، أَيْ : لَا فَهِمْتَ وَلَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ، وَالْمَعْنَى لَا دَرَيْتَ ، وَلَا اتَّبَعْتَ مَنْ يَدْرِي ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِالْيَاءِ لِمُؤَاخَاةِ دَرَيْتَ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : قَوْلُهُ " تَلَيْتَ " إِتْبَاعٌ وَلَا مَعْنَى لَهَا ، وَقِيلَ : صَوَابُهُ وَلَا ائْتَلَيْتَ بِزِيَادَةِ هَمْزَتَيْنِ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ بِوَزْنِ افْتَعَلْتَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَا أَلَوْتَ ، أَيْ : مَا اسْتَطَعْتَ ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : أَيْ : قَصَّرْتَ ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لَا دَرَيْتَ وَلَا قَصَّرْتَ فِي [3/283] طَلَبِ الدِّرَايَةِ ، ثُمَّ أَنْتَ لَا تَدْرِي . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْأُلُوُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْجَهْدِ ، وَبِمَعْنَى التَّقْصِيرِ ، وَبِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ . وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ ، أَنَّ صَوَابَ الرِّوَايَةِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا أَتْلَيْتَ . بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَتَسْكِينِ الْمُثَنَّاةِ ، كَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَنْ يَتَّبِعُهُ ، وَهُوَ مِنَ الْإِتِلَاءِ ، يُقَالُ : مَا أَتِلَتْ إِبِلُهُ ، أَيْ : لَمْ تَلِدْ أَوْلَادًا يَتْبَعُونَهَا . وَقَالَ : قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى ، أَيْ : لَا دَرَيْتَ وَلَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَدْرِيَ . وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : لَا دَرَيْتَ وَلَا اهْتَدَيْتَ . وَفِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : " لَا دَرَيْتَ وَلَا أَفْلَحْتَ " .
قَوْلُهُ : ( بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً ) تَقَدَّمَ فِي " بَابِ خَفْقِ النِّعَالِ " بِلَفْظِ " بِمِطْرَقَةٍ " عَلَى الْإِفْرَادِ ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأَحَادِيثِ . قَالَ الْكَرْمَانِيِّ : الْجَمْعُ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ الْمِطْرَقَةِ مِطْرَقَةٌ بِرَأْسِهَا مُبَالَغَةً ، ا هـ . وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا " . وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ : " وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ دَابَّةٌ فِي قَبْرِهِ مَعَهَا سَوْطٌ ثَمَرَتُهُ جَمْرَةٌ مِثْلُ غَرْبِ الْبَعِيرِ تَضْرِبُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ صَمَّاءَ لَا تَسْمَعْ صَوْتَهُ فَتَرْحَمَهُ " . وَزَادَ فِي أَحَادِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا : " ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكَ هَذَا ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ " . زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وَثُبُورًا ، وَيَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ " ، فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا " .
قَوْلُهُ : ( مَنْ يَلِيهِ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : الْمُرَادُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَلُونَ فِتْنَتَهُ ، كَذَا قَالَ ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالْمَلَائِكَةِ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُهُ . وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " يَسْمَعُهُ مَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : " يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ " . وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَيَوَانُ وَالْجَمَادُ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ مِنْهُ الْجَمَادَ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ : " يَسْمَعُهُ كُلُّ دَابَّةٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ " . وَالْمُرَادُ بِالثَّقَلَيْنِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ، قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَالثِّقَلِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ الْجِنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ : قَدِّمُونِي . وَلَا يُسْمِعُهُمْ صَوْتَهُ إِذَا عُذِّبَ بِأَنَّ كَلَامَهُ قَبْلَ الدَّفْنِ مُتَعَلِّقٌ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَصَوْتَهُ إِذَا عُذِّبَ فِي الْقَبْرِ مُتَعَلِّقٌ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ ، وَقَدْ أَخْفَى اللَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ أَحْوَالَ الْآخِرَةِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ إِبْقَاءً عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ غَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : مِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَسَعْدٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَأُمِّ خَالِدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، وَعُمَرَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَأُمِّ مُبَشِّرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ .
وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ : إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ . وَالْمَسْأَلَةُ : وَهَلْ هِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ؟ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ ، وَهَلْ تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْ وَقَعَتْ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهَا ؟ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْأَوَّلُ ، وَبِهِ جَزَمَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : كَانَتِ الْأُمَمُ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَأْتِيهِمُ الرُّسُلُ ، فَإِنْ أَطَاعُوا فَذَاكَ ، وَإِنْ أَبَوُا اعْتَزَلُوهُمْ وَعُوجِلُوا بِالْعَذَابِ ، فَلَمَّا أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ أَمْسَكَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ ، وَقَبِلَ الْإِسْلَامَ مِمَّنْ أَظْهَرَهُ سَوَاءٌ أَسَرَّ الْكُفْرَ أَوْ لَا ، فَلَمَّا مَاتُوا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ ؛ لِيَسْتَخْرِجَ سِرَّهُمْ بِالسُّؤَالِ ، وَلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَيُثَبِّتَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ . انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا : " إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا " . الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا [3/284] قَوْلُ الْمَلَكَيْنِ : " مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ " . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ : " وَأَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ فَبِي تُفْتَنُونَ ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ " . وَجَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى الثَّانِي ، وَقَالَ : لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَنْفِي الْمَسْأَلَةَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ بِكَيْفِيَّةِ امْتِحَانِهِمْ فِي الْقُبُورِ ، لَا أَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ ، قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مَعَ أُمَّتِهِ كَذَلِكَ ، فَتُعَذَّبُ كُفَّارُهُمْ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ سُؤَالِهِمْ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ السُّؤَالِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ . وَحَكَى فِي مَسْأَلَةِ الْأَطْفَالِ احْتِمَالًا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ فِي حَقِّ الْمُمَيِّزِ دُونَ غَيْرِهِ . وَفِيهِ ذَمُّ التَّقْلِيدِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ لِمُعَاقَبَةِ مَنْ قَالَ : كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَحْيَا فِي قَبْرِهِ لِلْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِمَنْ رَدَّهُ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ الْآيَةَ ، قَالَ : فَلَوْ كَانَ يَحْيَا فِي قَبْرِهِ لَلَزِمَ أَنْ يَحْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَيَمُوتَ ثَلَاثًا ، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاةِ فِي الْقَبْرِ لِلْمَسْأَلَةِ لَيْسَتِ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي تَقُومُ فِيهَا الرُّوحُ بِالْبَدَنِ وَتَدْبِيرِهِ ، وَتَصَرُّفِهِ وَتَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأَحْيَاءُ ، بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ إِعَادَةٍ لِفَائِدَةِ الِامْتِحَانِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، فَهِيَ إِعَادَةٌ عَارِضَةٌ ، كَمَا حَيِيَ خَلْقٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِمَسْأَلَتِهِمْ لَهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ ثُمَّ عَادُوا مَوْتَى . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ جَوَازُ التَّحْدِيثِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا وَافَقَ الْحَقَّ .