|
92 - بَاب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ 1383 - حَدَّثَنَا حِبَّانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ .
[3/290] قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُشْعِرُ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ جَزَمَ بَعْدَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرُّومِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ ، وَقَدْ رَتَّبَ أَيْضًا أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ تَرْتِيبًا يُشِيرُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ ؛ فَإِنَّهُ صَدَّرَهُ بِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْحَدِيثِ الْمُرَجِّحِ لِكَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْحَدِيثِ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي سِيَاقِهِ : " وَأَمَّا الصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ " . قَدْ أَخْرَجَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ : " وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ " . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : " سَأَلْتُ رَبِّي اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ فَأَعْطَانِيهِمْ " . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَوَرَدَ تَفْسِيرُ " اللَّاهِينَ " بِأَنَّهُمُ الْأَطْفَالُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ خَنْسَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَرِيمٍ ، عَنْ عَمَّتِهَا قَالَتْ : قُلْتُ : " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ " . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدِهَا أَنَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْحَمَّادَيْنِ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الِاعْتِقَادِ " عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي حَقِّ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ خَاصَّةً ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ مَنْصُوصٌ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالَ الْكُفَّارِ خَاصَّةً فِي الْمَشِيئَةِ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . ثَانِيهَا أَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ ، فَأَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَوْلَادُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الْأَزَارِقَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمُ نُوحٍ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ وَأَمَّا حَدِيثُ : " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ أَوْ مِنْهُمْ " . فَذَاكَ وَرَدَ فِي حُكْمِ الْحَرْبِيِّ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فِي الْجَنَّةِ ، وَعَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : فِي النَّارِ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ ، قَالَ : رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ " . وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَا عُقَيْلٍ مَوْلَى بَهِيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . ثَالِثُهَا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي بَرْزَخٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا حَسَنَاتٍ يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ ، وَلَا سَيِّئَاتٍ يَدْخُلُونَ بِهَا النَّارَ . رَابِعِهَا خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَنَسٍ ضَعِيفٌ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا : " أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . خَامِسِهَا أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ تُرَابًا ، رُوِيَ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ . سَادِسِهَا هُمْ فِي النَّارِ حَكَاهُ عِيَاضٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَغَلَّطَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ ، وَلَا يُحْفَظُ عَنِ الْإِمَامِ أَصْلًا . سَابِعِهَا أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ تُرْفَعَ لَهُمْ نَارٌ ، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، وَمَنْ أَبَى عُذِّبَ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ . وَقَدْ صَحَّتْ مَسْأَلَةُ الِامْتِحَانِ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ [3/291] مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الِاعْتِقَادِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ ، فَلَا عَمَلَ فِيهَا وَلَا ابْتِلَاءَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الِاسْتِقْرَارُ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ، وَأَمَّا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : " أَنَّ النَّاسَ يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ ، فَيَصِيرُ ظَهْرُ الْمُنَافِقِ طَبَقًا ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْجُدَ " . ثَامِنِهَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي " بَابِ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ " ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَإِذَا كَانَ لَا يُعَذَّبُ الْعَاقِلُ لِكَوْنِهِ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ، فَلَأَنْ لَا يُعَذَّبُ غَيْرُ الْعَاقِلِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَلِحَدِيثِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلِحَدِيثِ عَمَّةِ خَنْسَاءَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي قَرِيبًا . تَاسِعِهَا الْوَقْفُ . عَاشِرِهَا الْإِمْسَاكُ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا دِقَّةٌ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ : سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ " . وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَا السَّائِلِ ، لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَائِشَةَ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ السَّائِلَةُ ، فَأَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْتُ : " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : مَعَ آبَائِهِمْ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِلَا عَمَلٍ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . الْحَدِيثَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : " سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ ، فَنَزَلَ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، أَوْ قَالَ : فِي الْجَنَّةِ " . وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ رَافِعًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْإِشْكَالِ الْمُتَقَدِّمِ . قوله : ( الله أعلم ) قال ابن قتيبة : معنى قوله : " بما كانوا عاملين " ، أي : لو أبقاهم ، فلا تحكموا عليهم بشيء . وقال غيره : أي علم أنهم لا يعملون شيئا ، ولا يرجعون فيعملون ، أو أخبر بعلم شيء لو وجد كيف يكون ، مثل قوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا ولكن لم يرد أنهم يجازون بذلك في الآخرة ؛ لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَسْمَعِ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَيَّنَ ذَلِكَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : " كُنْتُ أَقُولُ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ : هُمْ مِنْهُمْ ، حَتَّى حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَقِيتُهُ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ، هُوَ خَلَقَهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، فَأَمْسَكْتُ عَنْ قَوْلِي " . انْتَهَى . وَهَذَا أَيْضًا يَدْفَعُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ .
|