بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
24 - كِتَاب الزَّكَاةِ
1 - بَاب وُجُوبِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ "
1395 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ .


[3/307] [3/308] [3/309] قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الزَّكَاةِ ) الْبَسْمَلَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ ، وَلِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ " بَابُ " بَدَلَ " كِتَابُ " ، وَسَقَطَ ذَلِكَ لِأَبِي ذَرٍّ فَلَمْ يَقُلْ : بَابٌ وَلَا كِتَابٌ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : " كِتَابُ الزَّكَاةِ - بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ " . وَالزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ : النَّمَاءُ ، يُقَالُ : زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا ، وَتَرِدُ أَيْضًا فِي الْمَالِ ، وَتَرِدُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ . وَشَرْعًا بِالِاعْتِبَارَيْنِ مَعًا : أَمَّا بِالْأَوَّلِ فَلِأَنَّ إِخْرَاجَهَا سَبَبٌ لِلنَّمَاءِ فِي الْمَالِ ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ الْأَجْرَ بِسَبَبِهَا يَكْثُرُ ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ مُتَعَلِّقَهَا الْأَمْوَالُ ذَاتُ النَّمَاءِ كَالتِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ . وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ : " مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ " . وَلِأَنَّهَا يُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا جَاءَ : " إِنَّ اللَّهَ يُرَبِّي الصَّدَقَةَ " . وَأَمَّا بِالثَّانِي فَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلنَّفْسِ مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ ، وَتَطْهِيرٌ مِنَ الذُّنُوبِ . وَهِيَ الرُّكْنُ الثَّالِثِ مِنَ الْأَرْكَانِ الَّتِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : تُطْلَقُ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالْحَقِّ وَالْعَفْوِ . وَتَعْرِيفُهَا فِي الشَّرْعِ : إِعْطَاءُ جُزْءٍ مِنَ النِّصَابِ الْحَوْلِيِّ إِلَى فَقِيرٍ وَنَحْوِهِ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ ، وَلَا مُطَّلِبِيٍّ . ثُمَّ لَهَا رُكْنٌ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ ، وَشَرْطٌ هُوَ السَّبَبُ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ الْحَوْلِيِّ ، وَشَرْطُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ . وَلَهَا حُكْمٌ وَهُوَ سُقُوطُ الْوَاجِبِ فِي الدُّنْيَا وَحُصُولِ الثَّوَابِ فِي الْأُخْرَى . وَحِكْمَةُ وَهِيَ التَّطْهِيرُ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَرَفْعِ الدَّرَجَةِ وَاسْتِرْقَاقُ الْأَحْرَارِ . انْتَهَى . وَهُوَ جَيِّدٌ لَكِنْ فِي شَرْطِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِلَافٌ . وَالزَّكَاةُ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ يُسْتَغْنَى عَنْ تَكَلُّفِ الِاحْتِجَاجِ لَهُ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي فُرُوعِهِ ، وَأَمَّا أَصْلُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ فَمَنْ جَحَدَهَا كَفَرَ . وَإِنَّمَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيرَادِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ ) هُوَ بِالرَّفْعِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ : هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنَ الْوُجُوبِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ : أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ - هُوَ ابْنُ حَرْبٍ - الطَّوِيلُ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ، أَوْرَدَهُ هُنَا مُعَلَّقًا ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ : " يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ " . وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْوُجُوبِ ظَاهِرَةٌ .
ثَانِيهَا : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْضَحُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ .
ثَالِثُهَا : حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي سُؤَالِ الرَّجُلِ عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ ، وَأُجِيبُ بِأَنْ : " تُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصِلَ الرَّحِمَ " . وَفِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْوُجُوبِ غُمُوضٌ . وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ سُؤَالَهُ عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي يُدْخِلُ الْجَنَّةَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُجَابَ بِالنَّوَافِلِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ ، فَتُحْمَلَ عَلَى الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ . ثَانِي الْأَجْوِبَةِ : أَنَّ الزَّكَاةَ قَرِينَةُ الصَّلَاةِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ، وَقَدْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ هُنَا . ثَالِثُهَا : أَنَّهُ وَقَفَ دُخُولَ الْجَنَّةِ عَلَى أَعْمَالٍ مَنْ جُمْلَتِهَا أَدَاءُ الزَّكَاةِ ، فَيَلْزَمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يَدْخُلْ ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ دَخَلَ النَّارَ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ . رَابِعُهَا : أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي يُعْقِبُهُ وَاحِدَةً ، فَأَرَادَ أَنْ يُفَسِّرَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ : " وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ " . وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ . وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُصَنِّفُ مِنِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ .
رَابِعُ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ .
خَامِسُهَا : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا .
سَادِسُهَا : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَاحْتِجَاجِهِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِصْمَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ تَتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ الْحَقِّ ، وَحَقُّ الْمَالِ الزَّكَاةُ " .
فَأُمًّا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَدْءِ الْوَحْيِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَعْثِ مُعَاذٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ قَبْلَ أَبْوَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِسِتَّةِ أَبْوَابٍ ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ : " إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا [3/310] إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : ادْعُهُمْ " . هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي التَّوْحِيدِ مُخْتَصَرًا فِي أَوَّلِهِ ، وَاخْتَصَرَ أَيْضًا مِنْ آخِرِهِ ، وَأَوْرَدَهُ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ مِثْلَهُ ، لَكِنَّهُ قَرَنَهُ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، وَلَفْظُهُ فِي أَوَّلِهِ : " إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَادْعُهُمْ " . وَفِي آخِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فُقَرَائِهِمْ : " فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ حِجَابٌ " . وَكَذَا قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا : " فَإِنْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ " . وَالَّذِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هُنَا : " فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ " . وَسَتَأْتِي هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَعَ شَرْحِهَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .