|
25 - بَاب الِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ ذَكَرَهُ عُثْمَانُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 161 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ .
[1/315] قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِنْثَارِ ) هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّثْرِ بِالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ - أَيْ : يَجْذِبُهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ - لِتَنْظِيفِ مَا فِي دَاخِلِهِ فَيَخْرُجُ بِرِيحِ أَنْفِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَةُ فِعْلِهِ بِغَيْرِ الْيَدِ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ فِعْلَ الدَّابَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ . وَإِذَا اسْتَنْثَرَ بِيَدِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْيُسْرَى ، بَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُقَيَّدًا بِهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ . قَوْلُهُ : ( ذَكَرَهُ ) أَيْ : رَوَى الِاسْتِنْثَارَ ( عُثْمَانُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ ، ( وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ) وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ . قَوْلُهُ : ( وَابْنُ عَبَّاسٍ ) تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي بَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ غَرْفَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الِاسْتِنْثَارِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا " اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا " ، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَاسْتَنْثَرَ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا " وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( أَبُو إِدْرِيسَ ) هُوَ الْخَوْلَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ ، أَبَا سَعِيدٍ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَسْتَنْثِرْ ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ كَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالِاسْتِنْثَارِ ، وَصَرَّحَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ بِمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ ، فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ . وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَةَ ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْمَضْمَضَةَ أَيْضًا ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ مَعَ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَهُ لَا يُعِيدُ ، وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِيجَابِ الْإِعَادَةِ ، [1/316] ذَكَرَهُ كُلَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدًا . وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَلَفْظُهُ : " وَإِذَا اسْتَنْثَرَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وِتْرًا " أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ ، وَأَصْلُهُ لِمُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ : " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ " ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعُونَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ بِتَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ تَصِحُّ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ ، وَيُزَادُ لِلْمُسْتَيْقِظِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ . وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ مَبَاحِثِهِ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَمَنِ اسْتَجْمَرَ ) أَيْ : اسْتَعْمَلَ الْجِمَارَ - وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ - فِي الِاسْتِنْجَاءِ . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ خِلَافَهُ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ أَيْضًا بِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ " فَلْيُوتِرْ " فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ نَفَى وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
|