|
1966 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، مَرَّتَيْنِ . قِيلَ : إِنَّكَ تُوَاصِلُ . قَالَ : إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ ، فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ "
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ " حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى " . قَوْلُهُ : ( إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ مَرَّتَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : " إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَرَّتَيْنِ اخْتِصَارٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَوْ شَيْخِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : " إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِ قَوْلُهُ : " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " . قَوْلُهُ : ( إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ ) كَذَا فِي الطَّرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ : " أَظَلُّ " وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مُطْلَقِ الْكَوْنِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُوَ الْإِمْسَاكُ لَيْلًا لَا نَهَارًا; وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا هِيَ " أَبِيتُ " وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ عَبَّرَ عَنْهَا بِـ " أَظَلُّ " نَظَرًا إِلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَقِ الْكَوْنِ ، يَقُولُونَ كَثِيرًا : أَضْحَى فُلَانٌ كَذَا . مَثَلًا ، وَلَا يُرِيدُونَ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِوَقْتِ الضُّحَى ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [4/244] ) . فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِنَهَارٍ دُونَ لَيْلٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : " إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْمُسْتَخْرَجِ " مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كَذَلِكَ ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ شَيْءٌ غَرِيبٌ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَلَفْظُ عُمَارَةَ الْمَذْكُورُ عِنْدَهُ : " إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي " . وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِيهَا : " عِنْدَ رَبِّي " وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا الْأَعْمَشُ فَقَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَوَقَعَتْ فِي حَدِيثِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ الْمَاضِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِلَفْظِ : " أَظَلُّ عِنْدَ اللَّهِ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عُثْمَانَ بِلَفْظِ : " عِنْدَ رَبِّي " وَوَقَعَتْ أَيْضًا كَذَلِكَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ : " إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي " وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " فَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِ وَشَرَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَرَامَةً لَهُ فِي لَيَالِي صِيَامِهِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا ، وَبِأَنَّ قَوْلَهَ : " يَظَلُّ " يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ صَائِمًا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاجِحَ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَفْظُ " أَبِيتُ " دُونَ أَظَلُّ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ فَلَيْسَ حَمْلُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى الْمَجَازِ بِأَوْلَى لَهُ مِنْ حَمْلِ لَفْظِ " أَظَلُّ " عَلَى الْمَجَازِ ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْتَى بِهِ الرَّسُولُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَشَرَابِهَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ كَمَا غُسِلَ صَدْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَسْتِ الذَّهَبِ ، مَعَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي الذَّهَبِ الدُّنْيَوِيَّةِ حَرَامٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : الَّذِي يُفْطِرُ شَرْعًا إِنَّمَا هُوَ الطَّعَامُ الْمُعْتَادُ ، وَأَمَّا الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ كَالْمُحْضَرِ مِنَ الْجَنَّةِ فَعَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَيْسَ تَعَاطِيهِ مِنْ جِنْسِ الْأَعْمَالِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّوَابِ ، كَأَكْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْكَرَامَةُ لَا تُبْطِلُ الْعِبَادَةَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا ، وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، بَلِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ : " أَبِيتُ " ، وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ فِي اللَّيْلِ مِمَّا يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، لَا يَقْطَعُ وِصَالَهُ ؛ خُصُوصِيَّةً لَهُ بِذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ : " إِنَّكَ تُوَاصِلُ " ، فَقَالَ : " إِنِّي لَسْتُ فِي ذَلِكَ كَهَيْئَتِكُمْ " ، أَيْ : عَلَى صِفَتِكُمْ فِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِنْكُمْ أَوْ شَرِبَ انْقَطَعَ وِصَالُهُ ، بَلْ إِنَّمَا يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ، وَلَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ مُوَاصَلَتِي ، فَطَعَامِي وَشَرَابِي عَلَى غَيْرِ طَعَامِكُمْ وَشَرَابِكُمْ ؛ صُورَةً وَمَعْنًى . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَحَالِ النَّائِمِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَيَسْتَمِرُّ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ صَوْمُهُ ، وَلَا يَنْقَطِعُ وِصَالُهُ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَةِ اسْتِغْرَاقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَحْوَالِهِ الشَّرِيفَةِ حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : قَوْلُهُ : " يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " مَجَازٌ عَنْ لَازِمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَهُوَ الْقُوَّةُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يُعْطِينِي قُوَّةَ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ ، وَيُفِيضُ عَلَيَّ مَا يَسُدُّ مَسَدَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَيُقَوِّي عَلَى أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الْقُوَّةِ وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاسِ ، أَوِ الْمَعْنَى : إِنَّ اللَّهَ [4/245] يَخْلُقُ فِيهِ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ ، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّةَ مَعَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَالَ الصَّائِمِ ، وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّيَامِ وَالْوِصَالِ ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ هُوَ رُوحُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِخُصُوصِهَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا النَّظَرُ إِلَى حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبَعُ وَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحِجَارَةَ مِنَ الْجُوعِ . قُلْتُ : وَتَمَسَّكَ ابْنُ حِبَّانَ بِظَاهِرِ الْحَالِ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَضْعِيفِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجُوعُ وَيَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ ، قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَهُ وَيَسْقِيهِ إِذَا وَاصَلَ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ جَائِعًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى شَدِّ الْحَجَرِ عَلَى بَطْنِهِ؟ ثُمَّ قَالَ : وَمَاذَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنَ الْجُوعِ؟ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِمَّنْ رَوَاهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ الْحُجَزُ ، بِالزَّايِ جَمْعُ حُجْزَةٍ . وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَأَبْلَغُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْهَاجِرَةِ فَرَأَى أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا؟ قَالَا : مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُوعُ . فَقَالَ : وَأَنَا - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الْجُوعُ " الْحَدِيثَ . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنَ الْجُوعِ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُقِيمُ الصُّلْبَ ؛ لِأَنَّ الْبَطْنَ إِذَا خَلَا رُبَّمَا ضَعُفَ صَاحِبُهُ عَنِ الْقِيَامِ لِانْثِنَاءِ بَطْنِهِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا رُبِطَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ اشْتَدَّ وَقَوِيَ صَاحِبُهُ عَلَى الْقِيَامِ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ : كُنْتُ أَظُنُّ الرِّجْلَيْنِ يَحْمِلَانِ الْبَطْنَ ، فَإِذَا الْبَطْنُ يَحْمِلُ الرِّجْلَيْنِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : " يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " أَيْ : يَشْغَلُنِي بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ ، وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ ، وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ ، وَقُرَّةِ الْعَيْنِ بِمَحَبَّتِهِ ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي مُنَاجَاتِهِ ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ : قَدْ يَكُونُ هَذَا الْغِذَاءُ أَعْظَمَ مِنْ غِذَاءِ الْأَجْسَادِ ، وَمَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ وَلَا سِيَّمَا الْفَرِحَ الْمَسْرُورَ بِمَطْلُوبِهِ ، الَّذِي قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ . قَوْلُهُ : ( اكْلُفُوا ) بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيِ : احْمِلُوا الْمَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ ، يُقَالُ : كَلِفْتُ بِكَذَا ، إِذَا وَلِعْتَ بِهِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ اللَّامِ ، قَالَ : وَلَا يَصِحُّ لُغَةً . قَوْلُهُ : ( بِمَا تُطِيقُونَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : " بِمَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ " وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ .
|