6 - بَاب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ
2033 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ . فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً ، فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً . فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَأُخْبِرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ ؟ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ " .


قَوْلُهُ : ( بَابُ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ ) أَيْ : مَا حُكْمُهُ وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ كَرَاهَتَهُ لَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ ، الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجَمَاعَةُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاعْتِكَافِ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِكَثْرَةِ مَنْ يَرَاهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ زَادَ فِي الْحَدِيثِ - أَيْ : حَدِيثِ الْبَابِ - أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاعْتِكَافِ لَقَطَعْتَ بِأَنَّ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ جَائِزٍ . انْتَهَى . وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ أَنَّ لَهَا الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ زَوْجِهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَنَسَبَهُ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْآتِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الِاعْتِكَافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ " حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ " حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ " .
قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً ) أَيْ : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، وَقَوْلُهُ : " فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ " كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ " وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ .
[4/324] قَوْلُهُ : ( فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْمَذْكُورَةِ : " فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ : " فَاسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً ، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً " زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ : " لِتَعْتَكِفَ مَعَهُ " وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : " ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا " وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى لِسَانِ عَائِشَةَ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ : " وَسَمِعَتْ بِهَا زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى " وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ : " فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ضَرَبَتْ مَعَهُنَّ وَكَانَتِ امْرَأَةً غَيُورًا " وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّ زَيْنَبَ اسْتَأْذَنَتْ ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ أَحَدَ مَا بَعَثَ عَلَى الْإِنْكَارِ الْآتِي .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الْأَخْبِيَةَ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : " فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ إِذَا أَخْبِيَةٌ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ : " فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ " يَعْنِي : قُبَّةً لَهُ وَثَلَاثًا لِلثَّلَاثَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ لِيَعْتَكِفَ فِيهِ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ : " فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ " وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَزْوَاجِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ فُسِّرَتِ " الْأَزْوَاجُ " فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى بِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فَقَطْ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : " أَرْبَعَ قِبَابٍ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : " فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ ، قَالَ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا : لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ " .
قَوْلُهُ : ( آلْبِرَّ ) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ مَمْدُودَةٍ وَبِغَيْرِ مَدٍّ ، " وَآلْبِرَّ " بِالنَّصْبِ ، وَقَوْلُهُ : " تُرَوْنَ بِهِنَّ " بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ : تَظُنُّونَ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ " آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ " أَيْ : تَظُنُّونَ ، وَالْقَوْلُ يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ قَالَ الْأَعْشَى :
أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدِ
فَمَتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا
أَيْ : تَظُنُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : " آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : " آلْبِرَّ تَقُولُونَ يُرِدْنَ بِهَذَا " وَالْخِطَابُ لِلْحَاضِرِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَغَيْرِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ : " مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا ، آلْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا ، فَنُزِعَتْ " وَ " مَا " اسْتِفْهَامِيَّةٌ ، وَ " آلْبِرُّ " فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْفُوعٌ ، وَقَوْلُهُ : " فَلَا أَرَاهَا " زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْ " أَرَاهَا " قَالَ : لِأَنَّهُ مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ .
قَوْلُهُ : ( فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : " فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ " وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ : نُقِضَ ، وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَشِيَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالتَّنَافُسَ النَّاشِئَ عَنِ الْغِيرَةِ حِرْصًا عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ خَاصَّةً فَيَخْرُجُ الِاعْتِكَافُ عَنْ مَوْضُوعِهِ ، أَوْ لَمَّا أَذِنَ لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ أَوَّلًا كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ تَوَارُدِ بَقِيَّةِ النِّسْوَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَضِيقُ الْمَسْجِدُ عَلَى الْمُصَلِّينَ ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ النِّسْوَةِ عِنْدَهُ يُصَيِّرُهُ كَالْجَالِسِ فِي بَيْتِهِ ، وَرُبَّمَا شَغَلْنَهُ عَنِ التَّخَلِّي لِمَا قَصَدَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ .
قَوْلُهُ : ( فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ) فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : " فَرَجَعَ [4/325] فَلَمَّا أَنِ اعْتَكَفَ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ : " فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : " فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ " وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : " آخِرَ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ " انْتِهَاءُ اعْتِكَافِهِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ شَوَّالٍ هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فِي اعْتِكَافِهِ فِي شَوَّالٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُعْتَادَةَ إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى اسْتِحْبَابًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الْعَمَلِ لِمَنْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَبْطَلَهُ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا سَيَأْتِي . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ : فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ زَوْجَهَا وَأَنَّهَا إِذَا اعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَنَّ يَرْجِعَ فَيَمْنَعَهَا .
وَعَنْ أَهْلِ الرَّأْي إِذَا أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ مَنَعَهَا أَثِمَ بِذَلِكَ وَامْتَنَعَتْ ، وَعَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْأَخْبِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِلنِّسَاءِ أَنْ لَا يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْخُرُوجِ مِنَ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِاللُّزُومِ ، وَفِيهِ أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْمُعْتَكِفُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَطَائِفَةٌ : يَدْخُلُ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا تَخَلَّى بِنَفْسِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُشْكِلُ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدْخُلِ الْمُعْتَكَفَ وَلَا شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ وَإِنَّمَا هَمَّ بِهِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الْمَانِعُ الْمَذْكُورُ فَتَرَكَهُ ، فَعَلَى هَذَا فَاللَّازِمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ فَيَدْخُلَ عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهُ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَرَعَ فَيَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ . وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ شُرِعَ لَهُنَّ الِاحْتِجَابُ فِي الْبُيُوتِ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ شَرْطًا مَا وَقَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِذْنِ وَالْمَنْعِ وَلَاكْتُفِيَ لَهُنَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ بُيُوتِهِنَّ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ : فِي قَوْلِهِ : " آلْبِرَّ تُرِدْنَ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُنَّ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ لَهُنَّ ، مَا قَالَهُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ ، وَفِيهِ شُؤْمُ الْغِيرَةِ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنِ الْحَسَدِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ لِأَجْلِهِ ، وَفِيهِ تَرْكُ الْأَفْضَلِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، وَأَنَّ مَنْ خَشِيَ عَلَى عَمَلِهِ الرِّيَاءَ جَازَ لَهُ تَرْكُهُ وَقَطْعُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَجِبُ بِالنِّيَّةِ ، وَأَمَّا قَضَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ فَعَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ نِسَاءَهُ اعْتَكَفْنَ مَعَهُ فِي شَوَّالٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اعْتَكَفَتْ فِي الْمَسْجِدِ اسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَجْعَلَ لَهَا مَا يَسْتُرُهَا ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ إِقَامَتُهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُصَلِّينَ . وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَرْتَبَةِ عَائِشَةَ فِي كَوْنِ حَفْصَةَ لَمْ تَسْتَأْذِنْ إِلَّا بِوَاسِطَتِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ كَوْنَهُ كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ .