بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَاب الشُّرْبِ والْمُسَاقَاةِ
بَاب فِي الشُّرْبِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ - إلى قوله - فَلَوْلا تَشْكُرُونَ
ثجاجا : منصبا . الْمُزْنُ : السَّحَابُ . الْأُجَاجُ : الْمُرُّ . فراتا : عذبا .


[5/36] قَوْلُهُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . فِي الشِّرْبِ . وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - فَلَوْلا تَشْكُرُونَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَزَادَ غَيْرُهُ فِي أَوَّلِهِ ( كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ ) وَلَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّ التَّرَاجِمَ الَّتِي فِيهِ غَالِبُهَا تَتَعَلَّقُ بِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ . وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ ( كِتَابُ الْمِيَاهِ ) وَأَثْبَتَ النَّسَفِيُّ " بَابٌ " خَاصَّةً ، وَسَاقَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْآيَتَيْنِ .
وَالشِّرْبُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ فِي قِسْمَةِ الْمَاءِ قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَالَ : ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِالضَّمِّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَنْ ضَبَطَهُ بِالضَّمِّ أَرَادَ الْمَصْدَرَ . وَقَالَ غَيْرُهُ الْمَصْدَرُ مُثَلَّثٌ وَقُرِئَ : فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ مُثَلَّثًا ، وَالشِّرْبُ فِي الْأَصْلِ بِالْكَسْرِ النَّصِيبُ وَالْحَظُّ مِنَ الْمَاءِ تَقُولُ : كَمْ شِرْبُ أَرْضِكُمْ ؟ وَفِي الْمَثَلِ " آخِرُهَا شُرْبًا أَقَلُّهَا شِرْبًا " قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَرَادَ الْحَيَوَانَ الَّذِي يَعِيشُ بِالْمَاءِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْمَاءِ النُّطْفَةَ ، وَمَنْ قَرَأَ : " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا " دَخَلَ فِيهِ الْجَمَادُ أَيْضًا لِأَنَّ حَيَاتَهَا هُوَ خُضْرَتُهَا وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْمَاءِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَخْرُجُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَيَخْرُجُ مِنْ تَفْسِيرِ قَتَادَةَ حَيْثُ قَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ فَمِنَ الْمَاءِ خُلِقَ " أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَاءِ النُّطْفَةُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ ، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( ثَجَّاجًا مُنْصَبًّا ) هُوَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( الْمُزْنُ : السَّحَابُ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا : الْمُزْنُ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ وَاحِدُهُ مُزْنَةٌ .
[5/37] قَوْلُهُ : ( وَالْأُجَاجُ : الْمُرُّ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي " مَعَانِي الْقُرْآنِ " وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ الشَّدِيدُ الْمُلُوحَةِ أَوِ الْمَرَارَةِ ، وَقِيلَ الْمَالِحُ وَقِيلَ الْحَارُّ حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ .
قَوْلُهُ : ( فُرَاتًا : عَذْبًا ) هُوَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ، وَهُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى : هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْعَذْبُ الْفُرَاتُ الْحُلْوُ .