2567 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي : إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ ، فَقُلْتُ : يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ : الْأَسْوَدَانِ : التَّمْرُ وَالْمَاءُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا .


قَوْلُهُ : ( ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ .
قَوْلُهُ : ( يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ؛ أَوَّلُهُمْ أَبُو حَازِمٍ ، وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ .
قَوْلُهُ : ( ابْنَ أُخْتِي ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ ، وَأَدَاةُ النِّدَاءِ مَحْذُوفَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ : " وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي " .
قَوْلُهُ : ( إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ ) هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَضَمِيرُهَا مُسْتَتِرٌ ، وَلِذَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ .
قَوْلُهُ : ( ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ ) يَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ الْجَرُّ وَالنَّصْبُ .
قَوْلُهُ : ( فِي شَهْرَيْنِ ) هُوَ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثُمَّ رُؤْيَتِهِ ثَانِيًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي ثُمَّ رُؤْيَتِهِ ثَالِثًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّالِثِ فَالْمُدَّةُ سِتُّونَ يَوْمًا وَالْمَرْئِيُّ ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ : كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ : لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الشَّهْرُ مَا يُرَى فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ الدُّخَانُ .
قَوْلُهُ : ( مَا يُعِيشُكُمْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُقَالُ أَعَاشَهُ اللَّهُ عِيشَةً ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " مَا يُغْنِيكُمْ " بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ " قُلْتُ : فَمَا كَانَ طَعَامُكُمْ " .
قَوْلُهُ : ( الْأَسْوَدَانِ ؛ التَّمْرُ وَالْمَاءُ ) هُوَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَإِلَّا فَالْمَاءُ لَا لَوْنَ لَهُ ; وَلِذَلِكَ قَالُوا : الْأَبْيَضَانِ : اللَّبَنُ وَالْمَاءُ ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَتْ عَلَى التَّمْرِ الْأَسْوَدَ لِأَنَّهُ غَالِبُ تَمْرِ الْمَدِينَةِ ، وَزَعَمَ صَاحِبُ " الْمُحْكَمِ " وَارْتَضَاهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْأَسْوَدَيْنِ بِالتَّمْرِ وَالْمَاءِ مُدْرَجٌ ، وَإِنَّمَا أَرَادَتِ الْحَرَّةَ وَاللَّيْلَ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ وُجُودَ التَّمْرِ وَالْمَاءِ يَقْتَضِي وَصْفَهُمْ بِالسَّعَةِ ، وَسِيَاقُهَا يَقْتَضِي وَصْفَهُمْ بِالضِّيقِ ، وَكَأَنَّهَا بَالَغَتْ فِي وَصْفِ حَالِهِمْ بِالشِّدَّةِ حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِلَّا اللَّيْلُ وَالْحَرَّةُ اهـ .
وَمَا ادَّعَاهُ لَيْسَ بِطَائِلٍ ، وَالْإِدْرَاجُ لَا يَثْبُتُ بِالتَّوَهُّمِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ دَعَا قَوْمًا وَقَالَ لَهُمْ : مَا عِنْدِي إِلَّا الْأَسْوَدَانِ فَرَضُوا بِذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا أَرَدْتُ إِلَّا الْحَرَّةَ وَاللَّيْلَ . وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوْمَ فَهِمُوا التَّمْرَ وَالْمَاءَ وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَأَرَادَ هُوَ الْمَزْحَ مَعَهُمْ فَأَلْغَزَ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ
، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْرَ الْعَيْشِ نِسْبِيٌّ ، وَمَنْ لَا يَجِدُ إِلَّا التَّمْرَ أَضْيَقُ حَالًا مِمَّنْ يَجِدُ الْخُبْزَ مَثَلًا ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْخُبْزَ أَضْيَقُ حَالًا مِمَّنْ يَجِدُ اللَّحْمَ مَثَلًا ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَدْفَعُهُ الْحِسُّ ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَتْ عَائِشَةُ ; وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ [5/236] أَبِيهِ عَنْهَا بِلَفْظِ " وَمَا هُـوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ " وَهُوَ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ لَا يَقْبَلُ الْحَمْلَ عَلَى الْإِدْرَاجِ .
قَوْلُهُ : ( جِيرَانٌ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ . زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ : " نِعْمَ الْجِيرَانُ كَانُوا " ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : " جِيرَانَ صِدْقٍ " ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَسْمَائِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( مَنَائِحُ ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ جَمْعُ مَنِيحَةٍ وَهِيَ كَعَطِيَّةٍ لَفْظًا وَمَعْنًى ، وَأَصْلُهَا عَطِيَّةُ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ ، وَيُقَالُ : لَا يُقَالُ مَنِيحَةٌ إِلَّا لِلنَّاقَةِ وَتُسْتَعَارُ لِلشَّاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفِرْسِنِ سَوَاءً ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَغَيْرُهُ : يَقُولُونَ مَنَحْتُكَ النَّاقَةَ وَأَعَرْتُكَ النَّخْلَةَ وَأَعْمَرْتُكَ الدَّارَ وَأَخْدَمْتُكَ الْعَبْدَ وَكُلُّ ذَلِكَ هِبَةُ مَنَافِعَ ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَنِيحَةُ عَلَى هِبَةِ الرَّقَبَةِ ، وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ . وَقَوْلُهُ : " يَمْنَحُونَ " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَكَسْرُ ثَالِثِهِ أَيْ يَجْعَلُونَهَا لَهُ مِنْحَةً .
قَوْلُهُ : ( فَيَسْقِينَاهُ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ " فَيَسْقِينَا مِنْهُ " وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ فِيهِ الصَّحَابَةُ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ . وَفِيهِ فَضْلُ الزُّهْدِ ، وَإِيثَارُ الْوَاجِدِ لِلْمُعْدِمِ ، وَالِاشْتِرَاكُ فِيمَا فِي الْأَيْدِي . وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمَرْءِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ بَعْدَ أَنْ يُوَسِّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا بِنِعَمِهِ وَلِيَتَأَسَّى بِهِ غَيْرُهُ .