3 - باب شَهَادَةِ الْمُخْتَبِئ وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ : وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : السَّمْعُ شَهَادَةٌ
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيْءٍ ، وَإِنِّي سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا
2638 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ أَيْ صَافِ ، هَذَا مُحَمَّدٌ ، فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ .


[5/296] قَوْلُهُ : ( بَابُ شَهَادَةِ الْمُخْتَبِئِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الَّذِي يَخْتَفِي عِنْدَ التَّحَمُّلِ .
قَوْلُهُ : ( وَأَجَازَهُ ) أَيِ الِاخْتِبَاءَ عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ .
قَوْلُهُ : ( عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ ابْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيُّ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى السَّبَبِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْمُخْتَبِئِ ، قَالَ : وَقَالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ : كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْخَائِنِ الظَّالِمِ أَوِ الْفَاجِرِ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَتَهُ وَيَقُولُ : كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْخَائِنِ الْفَاجِرِ ، وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ شَهَادَةَ الْمُخْتَبِئِ ، وَكَذَلِكَ الشَّعْبِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَأَجَازَهَا فِي الْجَدِيدِ إِذَا عَايَنَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : السَّمْعُ شَهَادَةٌ ) أَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْهُ بِهَذَا وَرُوِّينَاهُ فِي " الْجَعْدِيَّاتِ " قَالَ : " حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنِ الْأَشْعَثِ ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ قَالَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمْعِ إِذَا قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ ، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ هَذَا يُعَارِضُ رَدَّهُ لِشَهَادَةِ الْمُخْتَبِئِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّ شَهَادَةَ الْمُخْتَبِئِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمُخَادَعَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رَدُّهُ لِشَهَادَةِ السَّمْعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا الْحِرْصُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ قَادِحٌ ، فَإِذَا اخْتَفَى لِيَشْهَدَ فَهُوَ حِرْصٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةَ فَسَيَأْتِي فِي " بَابِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى " ، وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَوَصَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ فِي " أَدَبِ الْقَضَاءِ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ " السَّمْعُ شَهَادَةٌ " .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيْءٍ ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ مِنْ قَوْمٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَأْتِي الْقَاضِيَ فَيَقُولُ : لَمْ يُشْهِدُونِي وَلَكِنْ سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَقُلْ : " الْإِشْهَادُ " فَيَفْتَرِقُ الْحَالُ عِنْدَ الْأَدَاءِ ، فَإِنْ سَمِعَهُ وَلَمْ يُشْهِدْهُ وَقَالَ عِنْدَ الْأَدَاءِ " أَشْهَدَنِي " لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِنْ قَالَ : " أَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا " قُبِلَ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ : " وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ " وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : " لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الِاعْتِمَادَ عَلَى سَمَاعِ الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ السَّامِعُ مُحْتَجِبًا عَنِ الْمُتَكَلِّمِ إِذَا [5/297] عَرَفَ الصَّوْتَ ، وَقَوْلُهُ : " يَخْتِلُ " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ يَطْلُبُ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ .