بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
59 - كِتَاب بَدْءِ الْخَلْقِ
1 - بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَالْحَسَنُ : كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ ، هَيْنٌ وَهَيِّنٌ : مِثْلُ لَيْنٍ وَلَيِّنٍ ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ ، وَضَيْقٍ وَضَيِّقٍ . أَفَعَيِينَا أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا ، حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ . لُغُوبٌ : النَّصَبُ . أَطْوَارًا طَوْرًا كَذَا ، وَطَوْرًا كَذَا ، عَدَا طَوْرَهُ : أَيْ قَدْرَهُ
3190 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا بَنِي تَمِيمٍ أَبْشِرُوا ، قَالُوا : بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ، فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْيَمَنِ اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ ، قَالُوا : قَبِلْنَا ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا عِمْرَانُ رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ ، لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ " .


[6/330] قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كِتَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِلنَّسَفِيِّ " ذِكْرُ " بَدَلَ كِتَابٍ ، وَلِلصَّغَانِيِّ " أَبْوَابُ " بَدَلَ كِتَابٍ . وَ " وَبَدْءُ الْخَلْقِ " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِالْهَمْز أَيِ ابْتِدَاؤُهُ ، وَالْمُرَادُ خَلْقُ الْمَخْلُوقَاتِ .
[6/331] قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ ) أَيِ الْبَدْءُ وَالْإِعَادَةُ ، أَيْ أَنَّهُمَا حَمَلَا أَهْوَنَ عَلَى غَيْرِ التَّفْضِيلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ :
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ
أَيْ وَإِنِّي لَوَجِلٌ ، وَأَثَرُ الرَّبِيعِ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ نَحْوَهُ ، وَأَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ وَأَظُنُّهُ عَنِ الْحَسَنِ وَلَكِنَّ لَفْظَهُ : " وَإِعَادَتُهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ بَدْئِهِ ، وَكُلٌّ عَلَى اللَّهِ هَيِّنٌ ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إِبْقَاءُ صِيغَةِ أَفْعَلَ عَلَى بَابِهَا ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " وَهُوَ عَلَيْهِ هين " ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ ابْتُدِئَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ، وَالْإِعَادَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْمَخْلُوقِ ، انْتَهَى . وَلَا يَثْبُتُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بَلْ هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ كَمَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحَيَوَانِ وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى يَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ قَرِيبًا . وَقَدْ رَوَى [6/332] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي قَوْلِهِ : أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَيْسَرُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : خُوطِبَ الْعِبَادُ بِمَا يَعْقِلُونَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَعْثَ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ فَجَعَلَهُ مَثَلًا وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَيْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، لَا أَنَّ شَيْئًا يَعْظُمُ عَلَى اللَّهِ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ لِمَا لَمْ يَكُنْ كُنْ فَيَخْرُجُ مُتَّصِلًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحَّاكِ ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْفَرَّاءُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَوْلُهُ : ( وَهَيِّنٌ وَهَيْنٌ مِثْلُ لَيِّنٍ وَلَيْنٌ وَمَيِّتٌ وَمَيْتٌ وَضَيِّقٌ وَضَيْقٌ ) الْأَوَّلُ بِالتَّشْدِيدِ وَالثَّانِي بِالتَّخْفِيفِ فِي الْجَمِيعِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا هِيَ مُخَفَّفَةٌ بِمَنْزِلَةِ هَيْنٍ وَلَيْنٍ وَضَيْقٍ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا وَالتَّشْدِيدِ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : أَنَّ الْعَرَبَ تَمْدَحُ بِالْهَيْنِ اللَّيْنِ مُخَفَّفًا وَتَذُمُّ بِهِمَا مُثَقَّلًا ، فَالْهَيْنُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَمِنْهُ يَمْشُونَ هَوْنًا وَعَيْنُهُ وَاوٌ ، بِخِلَافِ الْهَيِّنِ بِالتَّشْدِيدِ .
قَوْلُهُ : أَفَعَيِينَا أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ . كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : أَفَعَيِينَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، أَيْ : مَا أَعْجَزَنَا الْخَلْقُ الْأَوَّلُ حِينَ أَنْشَأْنَاكُمْ ، وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ لِمُرَاعَاةِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ يَقُولُ : أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا إِنْشَاؤُكُمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَتَشُكُّوا فِي الْبَعْثِ ؟ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : عَيِيتُ بِالْأَمْرِ إِذَا لَمْ أَعْرِفْ وَجْهَهُ ، وَمِنْهُ الْعِيُّ فِي الْكَلَامِ .
قَوْلُهُ : لُغُوبٍ النَّصَبُ ) أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ أَيْ : مِنْ نَصَبٍ ، وَالنَّصَبُ التَّعَبُ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : أَكْذَبَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، فَقَالَ : وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ أَيْ : مِنْ إِعْيَاءٍ ، وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَظَنَّ أَنَّ النَّصَبَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِسُكُونِ الصَّادِ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ ضَبْطَ اللُّغُوبِ ، فَقَالَ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ : لَمْ أَرَ أَحَدًا نَصَبَ اللَّامَ فِي الْفِعْلِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ بِالنَّصْبِ الْأَحْمَقُ .
قَوْلُهُ : ( أَطْوَارًا طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا وَالْأَطْوَارُ الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ وَاحِدُهَا طَوْرٌ بِالْفَتْحِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى الْأَطْوَارِ كَوْنَهُ مَرَّةً نُطْفَةً وَمَرَّةً عَلَقَةً إِلَخْ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ نَحْوَهُ وَقَالَ : الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ صِحَّةٍ وَسَقَمٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَصْنَافًا فِي الْأَلْوَانِ وَاللُّغَاتِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ، عَنْ عِمْرَانَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فِي الْمَغَازِي : " حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ " .
قَوْلُهُ : ( جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ) يَعْنِي : وَفْدَهُمْ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ وَقْتِ قُدُومِهِمْ وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي .
قَوْلُهُ : ( أَبْشِرُوا ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِنَ الْبِشَارَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا بَشَّرْتَنَا ) الْقَائِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ .
[6/333] قَوْلُهُ : ( فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ) إِمَّا لِلْأَسَفِ عَلَيْهِمْ كَيْفَ آثَرُوا الدُّنْيَا ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَحْضُرْهُ مَا يُعْطِيهِمْ فَيَتَأَلَّفْهُمْ بِهِ ، أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا .
قَوْلُهُ : ( فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ ) هُمُ الْأَشْعَرِيُّونَ قَوْمُ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا وَفِيهِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ هُنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيُّ مَعَ مَنْ وَفَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ حِمْيَرَ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ فِي " بَابِ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ " وَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَطْفِ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ مَعَ أَنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، لَمَّا كَانَ زَمَانُ قُدُومِ الطَّائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفًا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ غَيْرُ قِصَّةِ الْآخَرِينَ وَقَعَ الْعَطْفُ .
قَوْلُهُ : ( اقْبَلُوا الْبُشْرَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَصْرِ أَيِ : اقْبَلُوا مِنِّي مَا يَقْتَضِي أَنْ تُبَشَّرُوا إِذَا أَخَذْتُمْ بِهِ بِالْجَنَّةِ ، كَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ " الْيُسْرَى " بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ ، قَالَ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .
قَوْلُهُ : ( إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " أَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا " وَهُوَ بِفَتْحِ " أَنْ " أَيْ مِنْ أَجْلِ تَرْكِهِمْ لَهَا ، وَيُرْوَى بِكَسْرِ إِنْ .
قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ ) ، أَيْ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَعَنْ حَالِ الْعَرْشِ ، وَكَأَنَّهُ ضَمَّنَ " يُحَدِّثُ " مَعْنَى يَذْكُرُ ، وَكَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا عَنْ أَوَّلِ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقْتَضِي السِّيَاقُ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَعَلَى الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ الْعَرْشَ وَالْمَاءَ تَقَدَّمَ خَلْقُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَوَقَعَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ : " نَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ " .