10 - بَاب مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي "
3708 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لَا آكُلُ الْخَمِيرَ وَلَا أَلْبَسُ الْحَبِيرَ وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ مِنْ الْجُوعِ ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي ، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمساكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا " .


[7/94] قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ ) سَقَطَتِ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبْقَى التَّرَاجِمَ بِغَيْرِ لَفْظِ " بَابُ " وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ . وَجَعْفَرٌ هُوَ أَخُو عَلِيٍّ شَقِيقُهُ ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ ، وَاسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي وَقَدْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي ) هُوَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ) هُوَ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) أَيْ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى لَكِنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّهُ " لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ " وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْوِي فِي حَدِيثِ " مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ " : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَاعْتِرَافُ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ بِالْحِفْظِ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ : " كُنْتُ عِنْدَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيُّ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْكُمْ ، أَوْ هُوَ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْ ؟ قَالَ : فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ ، إِنَّا كُنَّا أَقْوَامًا لَنَا بُيُوتَاتُ وَأَهْلُونَ ، وَكُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَفَيِ النَّهَارِ ثُمَّ نَرْجِعُ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا أَهْلَ ، إِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ " . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ عَنْ مَوْلًى لِطَلْحَةَ قَالَ : " كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسًا ، فَمَرَّ رَجُلٌ بِطَلْحَةَ فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ طَلْحَةُ : قَدْ سَمِعْنَا كَمَا سَمِعَ ، وَلَكِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا " ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي " بَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى مِنَ الصَّحَابَةِ " فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ : " قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّكَ لَتُحَدِّثُ [7/95] عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ، قَالَ : شَغَلَكِ عَنْهُ يَا أُمَّهْ الْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ ، وَمَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْهُ شَيْءٌ " .
قَوْلُهُ : ( بِشَبَعِ بَطْنِي ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " شَبَعَ " أَيْ لِأَجْلِ الشَّبَعِ .
قَوْلُهُ : ( حِينَ لَا آكُلُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " حَتَّى " وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا أَلْبَسُ الْحَبِيرَ ) بِالْمُوَحَّدَةِ قَبْلَهَا مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ " الْحَرِيرَ " وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ، وَالْحَبِيرُ مِنَ الْبُرْدِ مَا كَانَ مُوَشًّى مُخَطَّطًا ، يُقَالُ : بُرْدٌ حَبِيرٌ وَبُرْدٌ حِبَرَةٌ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ عَلَى الْوَصْفِ وَالْإِضَافَةِ .
قَوْلُهُ : ( لَأَسْتَقْرِي الرَّجُلَ ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ الْقِرَى فَيَظُنُّ أَنِّي أَطْلُبُ مِنْهُ الْقِرَاءَةَ ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ وَجَدَ عُمَرَ فَقَالَ : أَقْرِينِي ، فَظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَأَخَذَ يُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يُطْعِمْهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَدْتُ مِنْهُ الطَّعَامَ .
قَوْلُهُ : ( كَيْ يَنْقَلِبَ بِي ) أَيْ يَرْجِعَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " إِنْ كُنْتُ لَأَسْأَلُ الرَّجُلَ عَنِ الْآيَةِ أَنَا أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ ، مَا أَسْأَلُهُ إِلَّا لِيُطْعِمَنِي شَيْئًا " ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " وَكُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَبَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ " .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَخْيَرَ ) بِوَزْنِ أَفْضَلَ وَمَعْنَاهُ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ خَيْرَ .
قَوْلُهُ : ( لِلْمَسَاكِينِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ الَّذِي جَاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ : " مَا احْتَذَى النِّعَالَ وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
قَوْلُهُ : ( الْعُكَّةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ : ظَرْفُ السَّمْنِ ، وَقَوْلُهُ : ( لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ) مَعَ قَوْلِهِ : ( فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا ) لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَيْ لَا شَيْءَ فِيهَا يُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْهَا بِغَيْرِ قَطْعِهَا ، وَبِالْإِثْبَاتِ مَا يَبْقَى فِي جَوَانِبِهَا . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : " لَيَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ : أَطْعِمِينَا . فَإِذَا أَطْعَمَتْنَا أَجَابَنِي ، وَكَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَسْكُنُ إِلَيْهِمْ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ " انْتَهَى . وَإِنَّمَا كَانَ يُجِيبُهُ عَنْ سُؤَالِهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيُطْعِمَهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ وَقَعَ مِنْهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ .