25 - بَاب بُنْيَانُ الْكَعْبَةِ
3829 - حَدَّثَنا مَحْمُودٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ ، فَقَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِكَ مِنْ الْحِجَارَةِ ، فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ : إِزَارِي إِزَارِي فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ .


قَوْلُهُ : ( بَابُ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ ) أَيْ عَلَى يَدِ قُرَيْشٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ بَعْثَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْإِسْلَامِ . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : " كَانَتِ الْكَعْبَةُ فَوْقَ الْقَامَةِ ، فَأَرَادَتْ قُرَيْشٌ رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا " وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ " إنَّ امْرَأَةً جَمَّرَتِ الْكَعْبَةَ ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ فَأَحْرَقَتْهَا " فَذَكَرَ قِصَّةَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ لَهَا ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ تَتِمَّةُ هَذِهِ الْقِصَّةِ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا بَنَتِ الْكَعْبَةَ كَانَ عُمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْبَيْتَ قَالَ : " فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَانْهَدَمَ ، فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ ، فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ جُرْهُمُ ، فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ شَابٌّ ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوا الْحَجْرَ الْأَسْوَدَ اخْتَصَمُوا فِيهِ فَقَالُوا : نُحَكِّمُ بَيْنَنَا أَوَّلَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ " وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا : نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ [7/181] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُ ، فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَمَرَ بِثَوْبٍ فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِي وَسَطِهِ ، وَأَمَرَ كُلَّ فَخِذٍ أَنْ يَأْخُذُوا بِطَائِفَةٍ مِنَ الثَّوْبِ فَرَفَعُوهُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ " وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَكِّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ أَخُو الْوَلِيدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ قِصَّةُ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ مُطَوَّلًا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا . وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " لَا تَجْعَلُوا فِيهَا مَالًا أُخِذَ غَصْبًا ، وَلَا قُطِعَتْ فِيهِ رَحِمٌ ، وَلَا انْتُهِكَتْ فِيهِ ذِمَّةٌ " وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ هُوَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ .
قَوْلُهُ : فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : ( لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ) هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ، وَلَعَلَّ جَابِرًا سَمِعَهُ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ . وَقَوْلُهُ : " يَقِكَ مِنَ الْحِجَارَةِ فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ " فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : فَفَعَلَ ذَلِكَ فَخَرَّ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا : فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ مَعَهُمْ إِذِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ ، فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ غَطِّ عَوْرَتَكَ ، فَذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا نُودِيَ ، فَمَا رُئِيَتْ لَهُ عَوْرَةٌ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَقَوْلُهُ : " طُمِحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ " أَيِ ارْتَفَعَتْ .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَبْعَثِ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ذُكِرَ لِي يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ فِي صِغَرِهِ أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي غِلْمَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضٍ مِمَّا تَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ ، كُلُّنَا قَدْ تَعَرَّى وَأَخَذَ إِزَارَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ ، إِذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ مَا أَرَاهُ ، ثُمَّ قَالَ : شُدَّ عَلَيْكَ إِزَارَكَ . قَالَ : فَشَدَدْتُهُ عَلَيَّ ، ثُمَّ جَعَلْتُ أَحْمِلُ وَإِزَارِي عَلَيَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي قَالَ السُّهَيْلِيُّ : إِنَّمَا وَرَدَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صِغَرِهِ فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى : مَرَّةً فِي الصِّغَرِ وَمَرَّةً فِي حَالِ الِاكْتِهَالِ . قُلْتُ : وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْكَبِيرِ غُلَامٌ إِذَا فَعَلَ فِعْلَ الْغِلْمَانِ فَلَا يَسْتَحِيلُ اتِّحَادُ الْقِصَّةِ اعْتِمَادًا عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ .