33 - بَاب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3861 - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَخِيهِ : ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي ، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ : رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ ، فَقَالَ : مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَعْرِفُهُ ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ : أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ ؟ فَأَقَامَهُ ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ : أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ ؟ قَالَ : إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ ، فَفَعَلَ ، فَأَخْبَرَهُ ، قَالَ : فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي ؛ فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي ، فَفَعَلَ ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَخَلَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي . قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ : وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّامِ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ .


[7/211] قَوْلُهُ : ( بَابُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ) هُوَ جُنْدَبٌ - وَقِيلَ : بُرَيْدٌ - ابْنُ جُنَادَةَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ ابْنِ سُفْيَانَ - وَقِيلَ : سَفِيرُ - ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَرَامِ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ابْنِ غِفَارِ ، وَغِفَارُ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الضُّبَعِيُّ ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثَانِ : هَذَا وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَبُو جَمْرَةَ هُوَ بِالْجِيمِ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِأَخِيهِ ) هُوَ أُنَيْسٌ .
قَوْلُهُ : ( ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي ) أَيْ وَادِي مَكَّةَ ، وَفِي أَوَّلِ رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ الْمَاضِيَةِ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ : " قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ ؟ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ ... " وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ ، وَفِيهَا مُغَايَرَةٌ كَثِيرَةٌ لِسِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ : " خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا ، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا ، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ ، فَذَكَرَ لَنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا لَهُ : أَمَّا مَا مَضَى لَنَا مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ ، فَتَحَمَّلْنَا عَلَيْهِ ، وَجَلَسَ يَبْكِي ، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَ مَكَّةَ ، فَنَافَرَ أَخِي أُنَيْسٌ رَجُلًا إِلَى الْكَاهِنِ ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا ، فَأَتَانَا بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا ، قَالَ : وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ سِنِينَ ، قُلْتُ : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ . قُلْتُ : فَأَيْنَ تُوَجَّهُ ؟ قَالَ : حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي . قَالَ : فَقَالَ لِي أُنَيْسٌ : إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ . فَانْطَلَقَ ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ : مَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ . قُلْتُ : فَمَا يَقُولُ النَّاسُ ؟ قَالَ : يَقُولُونَ : شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ . وَكَانَ أُنَيْسٌ شَاعِرًا ، فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ كَلَامَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ ، وَلَقَدْ [7/212] وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهَا ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ . قُلْتُ : وَهَذَا الْفَصْلُ فِي الظَّاهِرُ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : " إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِأَخِيهِ : مَا شَفَيْتَنِي " ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِتَفَاصِيلَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَخْبَارِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ إِلَّا بِمُجْمَلٍ .
قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ الْأَخُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " فَانْطَلَقَ الْآخَرُ " ؛ أَيْ أُنَيْسٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ " ، فَانْطَلَقَ الْأَخُ الْآخَرُ ، " وَالصَّوَابُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا أَخٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أُنَيْسٌ . قُلْتُ : وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ - أَيْ عَنِ الْمُثَنَّى - " فَانْطَلَقَ الْآخَرُ " حَسْبُ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى قَدِمَهُ ) أَيِ الْوَادِي وَادِي مَكَّةَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ : " فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ " .
قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَوَافَقَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَوْلُهُ : " وَكَلَامًا " مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُرَى . وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ " عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا " ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ : الْإِضْمَارُ أَيْ وَسَقَيْتُهَا ، أَوْ ضَمَّنَ الْعَلَفَ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ . وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : التَّقْدِيرُ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ . أَوْ ضَمَّنَ الرُّؤْيَةَ مَعْنَى الْأَخْذِ عَنْهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ " رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ " وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا .
قَوْلُهُ : ( وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ ) لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ قَوْمَهُ يُؤْذُونَ مَنْ يَقْصِدُهُ أَوْ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِ قَصْدِ مَنْ يَقْصِدُهُ ، أَوْ لِكَرَاهَتِهِمْ فِي ظُهُورِ أَمْرِهِ لَا يَدُلُّونَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ بِهِ ، أَوْ يَخْدَعُونَهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( فَرَآهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَبِي ذَرٍّ وَقَعَتْ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ ، بِحَيْثُ يَتَهَيَّأُ لِعَلِيٍّ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِمُخَاطَبَةِ الْغَرِيبِ وَيُضَيِّفُهُ ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي سِنِّ عَلِيٍّ حِينَ الْمَبْعَثِ كَانَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَقِيلَ : أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، هَذَا الْخَبَرُ يُقَوِّي الْقَوْلَ الصَّحِيحِ فِي سِنِّهِ .
قَوْلُهُ : ( فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ ) فِي رِوَايَةِ : أَبِي قُتَيْبَةَ : " فَقَالَ : كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ . قُلْتُ : نَعَمْ " .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ " قَالَ : فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ " .
قَوْلُهُ : ( أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ ) أَيْ أَمَا حَانَ ، يُقَالُ : نَالَ لَهُ بِمَعْنَى آنَ لَهُ ، وَيُرْوَى : " أَمَا آنَ " بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَ " أَنَى " بِالْقَصْرِ وَبِفَتْحِ النُّونِ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : " أَمَا آنَ لِلرَّحِيلِ " مِثْلُهُ وَقَوْلُهُ : " أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ " أَيْ مَقْصِدَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى دَعَوْتِهِ إِلَى بَيْتِهِ لِضِيَافَتِهِ ثَانِيًا ، وَتَكُونُ إِضَافَةُ الْمَنْزِلِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةً لِكَوْنِهِ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَرَّةً ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ فِي جَوَابِهِ : " قُلْتُ : لَا " ، كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ .
قَوْلُهُ : ( يَوْمَ الثَّالِثِ ) كَذَا فِيهِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : مَسْجِدُ الْجَامِعِ ، وَلَيْسَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ .
قَوْلُهُ : ( فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " فَغَدَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ " . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ : " فَقَالَ : فَانْطَلِقْ مَعِي " .
قَوْلُهُ : ( لَتُرْشِدَنَّنِي ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِوَاحِدَةٍ مُدْغَمَةٍ .
[7/213] قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرْتُهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَأَخْبَرَهُ " عَلَى نَسَقِ مَا تَقَدَّمَ .
قَوْلُهُ : ( قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ : ( كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي ) ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُمَا جَمِيعًا .
قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ ) أَيْ يَتْبَعُهُ .
قَوْلُهُ : ( وَدَخَلَ مَعَهُ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِيهِ الدُّخُولُ بِدُخُولِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَأَنَّ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : لَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْ مِثْلِ هَذَا . قُلْتُ : وَفِي كَلَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى .
قَوْلُهُ : ( فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ ) كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ عَلَامَاتِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي الْإِسْلَامِ ، هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْتِقَاءَ أَبِي ذَرٍّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بِدَلَالَةِ عَلِيٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ فِي الطَّوَافِ بِاللَّيْلِ ، قَالَ : فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، قُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . قَالَ : فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِالسَّلَامِ . قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنَ بَنِي غِفَارٍ . قَالَ : فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ، فَقُلْتُ : كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَأْنِ زَمْزَمَ ، وَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَفِيهِ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ ، وَأَنَّهُ أَطْعَمَهُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ " الْحَدِيثُ . وَأَكْثَرُهُ مُغَايِرٌ لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ أَوَّلًا مَعَ عَلِيٍّ ، ثُمَّ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَحَفِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ مِنَ الزِّيَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةِ قِصَّتُهُ مَعَ عَلِيٍّ وَقِصَّتُهُ مَعَ الْعَبَّاسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَكَلُّفٌ شَدِيدٌ ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَقَامَ ثَلَاثِينَ لَا زَادَ لَهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ زَادٌ وَقِرْبَةُ مَاءٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّادِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَزَوَّدَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ قَوْمِهِ فَفَرَغَ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ ، وَالْقِرْبَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ كَانَ فِيهَا الْمَاءُ حَالَ السَّفَرِ ، فَلَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَلْئِهَا وَلَمْ يرَحْهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ : " فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ " الْحَدِيثُ .
قَوْلُهُ : ( ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ : اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِيَ أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَخِيهِ أُنَيْسٍ وَأُمِّهِ وَأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى قَوْمِهِمْ غِفَارٍ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ ، الْحَدِيثُ .
قَوْلُهُ : ( لَأَصْرُخَنَّ بِهَا ) أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِهَارًا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِالْكِتْمَانِ لَيْسَ عَلَى الْإِيجَابِ ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ ، وَلِهَذَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ قَوْلِ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ الْأَذِيَّةُ لِمَنْ قَالَ ، وَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ جَائِزًا ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَاصِدِ ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَتَرَتِّبُ وُجُودُ الْأَجْرِ وَعَدَمِهِ .
[7/214] قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ : " فَقَالُوا : قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِي " بِالْيَاءِ اللَّيِّنَةِ ، " فَقَامُوا " وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَنْ أَسْلَمَ صَابِيًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَبَا يَصْبُو إِذَا انْتَقَلَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ .
قَوْلُهُ : ( فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ " فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ " أَيْ ضُرِبْتُ ضَرْبًا لَا يُبَالِي مَنْ ضَرَبَنِي أَنْ لَوْ أَمُوتُ مِنْهُ .
قَوْلُهُ : ( فَأَقْلَعُوا عَنِّي ) أَيْ كَفُّوا .
قَوْلُهُ : ( فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ : " فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ ، " وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ تَأَتِّي الْعَبَّاسِ وَجَوْدَةِ فِطْنَتِهِ ؛ حَيْثُ تَوَصَّلَ إِلَى تَخْلِيصِهِ مِنْهُمْ بِتَخْوِيفِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يُقَاصُّوهُمْ بِأَنْ يَقْطَعُوا طُرُقَ مَتْجَرِهِمْ ، وَكَانَ عَيْشُهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ ، فَلِذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى الْكَفِّ عَنْهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ عَلِيٍّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَمِنْ قَوْلِهِ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ : " إِنِّي وُجِّهَتْ لِيَ أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ " ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ كَانَ قُرْبَ الْهِجْرَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .