15 - بَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ
4037 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عن عَمْرٌو ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا . قَالَ : قُلْ . فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً ، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا ، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ قَالَ : وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ . قَالَ : إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ - وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ : فِيهِ : وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ ؟ فَقَالَ : أُرَى فِيهِ : وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ - فَقَالَ : نَعَمِ ارْهَنُونِي . قَالُوا : أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ ؟ قَالَ : ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ . قَالُوا : كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ ؟ قَالَ : فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ . قَالُوا : كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ : رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا ، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ . قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي السِّلَاحَ ، فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ - وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ - فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ . وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ . قَالَ : إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ . قَالَ : وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ - قِيلَ لِسُفْيَانَ : سَمَّاهُمْ عَمْرٌو ؟ قَالَ : سَمَّى بَعْضَهُمْ . قَالَ عَمْرٌو : جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : ، أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ - قَالَ عَمْرٌو : جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ ، فَقَالَ : إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ ، وَقَالَ مَرَّةً : ثُمَّ أُشِمُّكُمْ ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ ، فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا - أَيْ أَطْيَبَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : قَالَ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ ، وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ . قَالَ عَمْرٌو فَقَالَ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ ، ثُمَّ قَالَ أَتَأْذَنُ لِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ : دُونَكُمْ ، فَقَتَلُوهُ . ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ .


[7/391] قَوْلُهُ : ( بَابُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ) أَيِ الْيَهُودِيِّ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ : كَانَ عَرَبِيًّا مِنْ بَنِي نَبْهَانَ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ طَيِّئ ، وَكَانَ أَبُوهُ أَصَابَ دَمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَتَى الْمَدِينَةَ فَحَالَفَ بَنِي النَّضِيرِ فَشَرُفَ فِيهِمْ ، وَتَزَوَّجَ عَقِيلَةَ بِنْتَ أَبِي الْحَقِيقِ فَوَلَدَتْ لَهُ كَعْبًا ، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا ذَا بَطْنٍ وَهَامَةٍ ، وَهَجَا الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ وَالِدِ الْمُطَّلِبِ . فَهَجَاهُ حَسَّانُ وَهَجَا امْرَأَتَهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ فَطَرَدَتْهُ ، فَرَجَعَ كَعْبٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَشَبَّبَ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ شَاعِرًا ، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْلُهَا أَخْلَاطٌ . فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِصْلَاحَهُمْ ، وَكَانَ الْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ أَشَدَّ الْأَذَى ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ . فَلَمَّا أَبَى كَعْبٌ أَنْ يَنْزِعَ عَنْ أَذَاهُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ أبي مُعَاذٍ أَنْ يَبْعَثَ رَهْطًا لِيَقْتُلُوهُ . " وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ قَتْلَهُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، كَذَا هُنَا وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ فِي الْجِهَادِ وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ [7/392] الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ " حَدَّثَنَا عَمْرٌو " .
قَوْلُهُ : ( مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ) ؟ أَيْ مَنِ الَّذِي يَنْتَدِبُ إِلَيه قَتْلِهِ .
قَوْلُهُ : ( آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) . فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلِ : " فَقَدْ آذَانَا بِشِعْرِهِ وَقَوَّى الْمُشْرِكِينَ " . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ قَدِمَ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَحَالَفَهُمْ عِنْدَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ وَيُحَرِّضُ قُرَيْشًا عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا لَهُ : أَدِينُنَا أَهْدَى أَمْ دَيْنُ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ : دِينُكُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ لَنَا بِابْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَعْلَنَ بِعَدَاوَتِنَا . وَوَجَدْتُ فِي " فَوَائِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخُرَاسَانِيِّ " مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ إِلَيْهِ لِقَتْلِ كَعْبٍ سَبَبًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ صَنَعَ طَعَامًا وَوَاطَأَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ أَنَّهُ يَدْعُو النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْوَلِيمَةِ فَإِذَا حَضَرَ فَتَكُوا بِهِ ، ثُمَّ دَعَاهُ فَجَاءَ وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، فَأَعْلَمَهُ جِبْرِيلُ بِمَا أَضْمَرُوهُ بَعْدَ أَنْ جَالَسَهُ ، فَقَامَ فَسَتَرَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَخَرَجَ ، فَلَمَّا فَقَدُوهُ تَفَرَّقُوا ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : مَنْ يَنْتَدِبُ لِقَتْلِ كَعْبٍ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ ) ؟ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : هُوَ خَالِي " .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ ) . فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ : " فَقَالَ : أَنْتَ لَهُ " ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " قَالَ : فَافْعَلْ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ " ، وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ : " فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَقَرَّ صَامِتٌ " . وَمِثْلُهُ عِنْدَ سَمُّويَةَ فِي فَوَائِدِهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ أَوَّلًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لَهُ : " إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَلَا تَعْجَلْ حَتَّى تُشَاوِرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، قَالَ : فَشَاوَرَهُ فَقَالَ لَهُ : تَوَجَّهْ إِلَيْهِ وَاشْكُ إِلَيْهِ الْحَاجَةَ ، وَسَلْهُ أَنْ يُسَلِّفَكُمْ طَعَامًا " .
قَوْلُهُ : ( فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا ، قَالَ : قُلْ ) كَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَفْتَعِلَ شَيْئًا يَحْتَالُ بِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ : " الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ " ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ سِيَاقِ ابْنِ سَعْدٍ لِلْقِصَّةِ أَنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوا أَنْ يَشْكُوا مِنْهُ وَيَعِيبُوا رَأْيَهُ ، وَلَفْظُهُ : " فَقَالَ لَهُ : كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا مِنَ الْبَلَاءِ ، حَارَبَتْنَا الْعَرَبُ ، وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ " . وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشَى مَعَهُمْ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ فَقَالَ : انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ) يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ : ( قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً ) فِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ : " سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ ، وَنَحْنُ لَا نَجِدُ مَا نَأْكُلُ " ، وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " فَقَالُوا : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، إِنَّ نَبِيَّنَا أَرَادَ مِنَّا الصَّدَقَةَ ، وَلَيْسَ لَنَا مَالٌ نَصْدُقُهُ " .
قَوْلُهُ : ( قَدْ عَنَّانَا ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْأُولَى مِنَ الْعَنَاءِ وَهُوَ التَّعَبُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَأَيْضًا ) ، أَيْ : وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ " بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالنُّونِ مِنَ الْمَلَالِ ، وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ : " أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِأَبِي نَائِلَةَ : أَخْبِرْنِي مَا فِي نَفْسِكَ ، مَا الَّذِي تُرِيدُونَ فِي [7/393] أَمْرِهِ ؟ قَالَ : خِذْلَانَهُ وَالتَّخَلِّي عَنْهُ . قَالَ : سَرَرْتَنِي " .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسَلِّفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ ، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ ) قَائِلُ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ : " وَأُحِبُّ أَنْ تُسَلِّفَنَا طَعَامًا . قَالَ : أَيْنَ طَعَامُكُمْ ؟ قَالُوا : أَنْفَقْنَاهُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ . قَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ " .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَ كَعْبًا بِذَلِكَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَالَّذِي عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ أَبُو نَائِلَةَ ، وَأَوْمَأَ الدِّمْيَاطِيُّ إِلَى تَرْجِيحِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَبَا نَائِلَةَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ابْنُ أُخْتِهِ . وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ فِي الْكُلِّ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ : " قَالُوا " ، وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " وَائْذَنْ لَنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْكَ فَيَطْمَئِنَّ إِلَيْنَا ، قَالَ : قُولُوا مَا شِئْتُمْ " ، وَعِنْدَهُ : " أَمَّا مَالِي فَلَيْسَ عِنْدِي الْيَوْمَ ، وَلَكِنْ عِنْدِي التَّمْرُ " وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ بَعَثَ مُحَمَّدًا ابْنَ أَخِيهِ الْحَارِثِ بْنِ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ .
قَوْلُهُ : ( ارْهَنُونِي ) ، أَيِ : ادْفَعُوا لِي شَيْئًا يَكُونُ رَهْنًا عَلَى التَّمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ ) لَعَلَّهُمْ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ تَهَكُّمًا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ جَمِيلًا . زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ " وَلَا نَأْمَنُكَ ، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَمْتَنِعُ مِنْكَ لِجَمَالِكَ " . وَفِي الْمُرْسَلِ الْآخَرِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ : " وَأَنْتَ رَجُلٌ حُسَّانٌ تُعْجِبُ النِّسَاءَ " . وَحُسَّانٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي السِّلَاحَ ) . كَذَا قَالَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : اللَّأْمَةُ الدِّرْعُ ، فَعَلَى هَذَا إِطْلَاقُ السِّلَاحِ عَلَيْهَا مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ . وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ سِلَاحَنَا مَعَ عِلْمِكَ بِحَاجَتِنَا إِلَيْهِ ، قَالَ : نَعَمْ " . وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ : " وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِئَلَّا يُنْكِرَ مَجِيئَهُمْ إِلَيْهِ بِالسِّلَاحِ " .
قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ ) بِنُونٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ ، وَاسْمُهُ سِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ) يَعْنِي كَانَ أَبُو نَائِلَةَ أَخَا كَعْبٍ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ نَدِيمَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ يَرْكَنُ إِلَيْهِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَيْضًا كَانَ أَخَاهُ ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : " وَكَانُوا أَرْبَعَةً سَمَّى عَمْرٌو مِنْهُمُ اثْنَيْنِ " . قُلْتُ : وَسَتَأْتِي تَسْمِيَتُهُمْ قَرِيبًا . وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " فَلَمَّا كَانَ فِي الْقَائِلَةِ أَتَوْهُ وَمَعَهُمُ السِّلَاحُ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا سَعِيدٍ . فَقَالَ : سَامِعًا دَعَوْتَ " .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ ) . فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ : " فَتَعَلَّقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ : مَكَانَكَ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى حُمْرَةَ الدَّمِ مَعَ الصَّوْتِ " وَبَيَّنَ الْحُمَيْدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّ الْغَيْرَ الَّذِي أَبْهَمَهُ سُفْيَانُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ الْعَبْسِيُّ ، وَأَنَّهُ حَدَّثَ بِذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ " فَهَتَفَ بِهِ [7/394] أَبُو نَائِلَةَ - وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ - فَوَثَبَ فِي مِلْحَفَتِهِ ، فَأَخَذَتِ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَتِهَا وَقَالَتْ لَهُ : أَنْتَ امْرُؤٌ مُحَارِبٌ ، لَا تَنْزِلُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ . فَقَالَ : إِنَّهُ أَبُو نَائِلَةَ ، لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي . فَقَالَتْ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ صَوْتِهِ الشَّرَّ " . وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَتْ : أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ لَا تَنْزِلَ إِلَيْهِمْ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ " .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَيَدْخُلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ ، قِيلَ لِسُفْيَانَ : سَمَّاهُمْ عَمْرٌو ؟ قَالَ : سَمَّى بَعْضَهُمْ . قَالَ عَمْرٌو : جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو : أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ) . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ : " قَالَ : فَأَتَاهُ وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مُعَاذٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، كَذَا أَدْرَجَهُ ، وَرِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ مُفَصَّلَةٌ ، وَنُسِبَ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاذٍ إِلَى جَدِّهِ ، وَوَقَعَتْ تَسْمِيَتُهُمْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ ، فَعَلَى هَذَا فَكَانُوا خَمْسَةً ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ مِنْ قَصِيدَةٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ :
فَشَدَّ بِسَيْفِهِ صَلْتًا عَلَيْهِ
فَقَطَّعَهُ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ
وَكَانَ اللَّهُ سَادِسَنَا فَأُبْنَا
بِأَنْعَمِ نِعْمَةٍ وَأَعَزِّ نَصْرِ

وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ : " كَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ، وَأَبُو عَتِيكَ " ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمَا ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " وَمَعَهُ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ " ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَرَّةً ثَلَاثَةً وَفِي الْأُخْرَى خَمْسَةً .
قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعْرِهِ فَأَشُمُّهُ ) وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَرَّةً : فَأُشِمُّكُمْ ) ، أَيْ : أُمَكِّنُكُمْ مِنَ الشَّمِّ ، وَهُوَ يَنْفَحُ بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ .
قَوْلُهُ : ( رِيحُ الطِّيبِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : " وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ " ، وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ فَقَالَ : " يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَدْنِ مِنِّي رَأْسَكَ أَشُمُّهُ وَأَمْسَحُ بِهِ عَيْنَيَّ وَوَجْهِي " .
قَوْلُهُ : ( عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ ) ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَأَجْمَلُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْكَافِ وَهِيَ أَشْبَهُ ، وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " فَقَالَ : هَذَا عِطْرُ أُمِّ فُلَانٍ " ، يَعْنِي امْرَأَتَهُ . وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ : " وَكَانَ كَعْبٌ يَدَّهِنُ بِالْمِسْكِ الْمُفَتَّتِ وَالْعَنْبَرِ حَتَّى يَتَلَبَّدَ فِي صُدْغَيْهِ " ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " وَعِنْدِي أَعْطَرُ سَيِّدِ الْعَرَبِ " وَكَأَنَّ " سَيِّدَ " تَصْحِيفٌ مِنْ : نِسَاءِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَالْمَعْنَى أَعْطَرُ نِسَاءِ سَيِّدِ الْعَرَبِ عَلَى الْحَذْفِ .
قَوْلُهُ : ( دُونَكُمْ فَقَتَلُوهُ ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ : " وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ وَأَصَابَ ذُبَابُ السَّيْفِ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ ، وَأَقْبَلُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِجُرُفِ بُعَاثٍ تَخَلَّفَ الْحَارِثُ وَنَزَفَ ، فَلَمَّا افْتَقَدَهُ أَصْحَابُهُ رَجَعُوا فَاحْتَمَلُوهُ ، ثُمَّ أَقْبَلُوا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ " ، وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَفَلَ عَلَى جُرْحِ الْحَارِثِ بْنِ أَوْسٍ فَلَمْ يُؤْذِهِ " . وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " فَبَزَقَ فِيهَا ثُمَّ أَلْصَقَهَا فَالْتَجمَتْ " . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ : " فَضَرَبُوهُ حَتَّى بَرَدَ ، وَصَاحَ عِنْدَ أَوَّلِ ضَرْبَةٍ ، وَاجْتَمَعَتِ الْيَهُودُ فَأَخَذُوا عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَاتُوهُمْ " . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : " أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لَمَّا أَخَذَ بِقُرُونِ شَعْرِهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : اقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ ، فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ ، فَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا . قَالَ مُحَمَّدٌ : فَذَكَرْتُ مِعْوَلًا كَانَ فِي [7/395] سَيْفِي فَوَضَعْتُهُ فِي سُرَّتِهِ ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ فَغَطَطْتُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَانَتِهِ ، فَصَاحَ وَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ : يَا آلَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مَرَّتَيْنِ " .
قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرُوهُ ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ : " فَأَخْبَرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى " ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : " فَلَمَّا بَلَغُوا بَقِيعَ الْغَرْقَدِ كَبَّرُوا ، وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا سَمِعَ تَكْبِيرَهُمْ كَبَّرَ ، وَعَرَفَ أَنْ قَدْ قَتَلُوهُ ، ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَيْهِ فَقَالَ : أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ ، فَقَالُوا : وَوَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَرَمُوا رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى قَتْلِهِ " . وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ : " فَأَصْبَحَتْ يَهُودُ مَذْعُورِينَ ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : قُتِلَ سَيِّدُنَا غِيلَةً ، فَذَكَّرَهُمُ النَّبِيُّ صَنِيعَهُ وَمَا كَانَ يُحَرِّضُ عَلَيْهِ وَيُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ " . زَادَ ابْنُ سَعْدٍ : " فَخَافُوا فَلَمْ يَنْطِقُوا " . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ قَتْلُ الْمَعَاهَدِ إِذَا سَبَّ الشَّارِعَ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ يُعْطِي أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحَارِبًا حَيْثُ تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ : " الْفَتْكُ بِأَهْلِ الْحَرْبِ " ، وَتَرْجَمَ لَهُ أَيْضًا : " الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ " ، وَفِيهِ جَوَازُ قَتْلِ الْمُشْرِكِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ قَدْ بَلَغَتْهُ . وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَرْبِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَائِلُهُ إِلَى حَقِيقَتِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجِهَادِ . وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ فِطْنَةِ امْرَأَتِهِ الْمَذْكُورَةِ وَصِحَّةِ حَدَسِهَا ، وَبَلَاغَتِهَا فِي إِطْلَاقِهَا أَنَّ الصَّوْتَ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ .