الْحَدِيثُ السَّابِعُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ .
4104 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ - أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ - يَقُولُ :
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَيرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ : أَبَيْنَا ، أَبَيْنَا


قَوْلُهُ : ( عَنِ الْبَرَاءِ ) سَيَأْتِي بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّرِيقُ الْأُخْرَى لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ أَبِي إِسْحَاقَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الْبَرَاءِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ ) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا ، فَأَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَوَاضِحٌ مِنَ الْغُبَارِ ، وَأَمَّا الَّتِي بِالْمِيمِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَالْمَعْنَى وَارَى التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ ، وَمِنْهُ غِمَارُ النَّاسِ وَهُوَ جَمْعُهُمْ إِذَا تَكَاثَفَ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ ، قَالَ : وَرُوِيَ اعفر بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ ، وَالْعَفَرُ بِالتَّحْرِيكِ : التُّرَابُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِنَصْبِ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِرَفْعِهَا ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ " حَتَّى غَبَّرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ " بِمُعْجَمَةٍ فِيهِمَا وَمُوَحَّدَةٍ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي زَيْدٍ " حَتَّى أَغْمَرَ " قَالَ : وَلَا وَجْهَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى سَتَرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ بَطْنَهُ " قَالَ : وَأَوْجَهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَبِرَفْعِ بَطْنِهِ . قُلْتُ : وَفِي حَدِيثِ أُمٍّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَاطِيهِمُ اللَّبَنَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَقَدِ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ " حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَ بَطْنِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ " وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَيِ الشَّعْرِ الَّذِي فِي الصَّدْرِ إِلَى الْبَطْنِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دِقَّتِهِ كَثِيرًا أَيْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا بَلْ كَانَ مُسطِيلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( يَقُولُ : وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَقَوْلُهُ : " إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا " لَيْسَ بِمَوْزُونٍ ، وَتَحْرِيرُهُ أنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَذَكَرَ الرَّاوِي الْأُلَى بِمَعْنَى الَّذِينَ وَحَذَفَ قَدْ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ " قَدْ " وَ " هُمْ " قَالَ : وَالْأَصْلُ إنَّ الْأُلَى هُمْ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ، وَهُوَ يَتَّزِنُ بِمَا قَالَ . لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ . وَذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ " أَبَوْا " بَدَلَ بَغَوْا وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ ، أَيْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا . وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ " إِنَّ الْأُلَى قَدْ رَغِبُوا عَلَيْنَا " كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَأَبِي [7/464] الْوَقْتِ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَكَذَا فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ ، وَلِلْبَاقِينَ " قَدْ بَغَوْا " كَالْأُولَى . وَأَمَّا الْأَصِيلِيُّ فَضَبَطَهَا بِالْغَيْنِ الثَّقِيلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، وَضَبَطَهَا فِي " الْمَطَالِعِ " بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَضُبِطَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ كَذَا لَكِنْ بِزَايٍ أَوَّلُهُ وَالْمَشْهُورُ مَا فِي " الْمَطَالِعِ " .
قَوْلُهُ : ( وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ : أَبَيْنَا أَبَيْنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَةٍ وَفِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَالَ : " ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا " وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : " أَبَيْنَا " مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : " إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا وَقَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : " إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا " فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ وَكَرِيمَةَ " أَتَيْنَا " بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَالسَّجْزِيِّ بِمُثَنَّاةٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : كِلَاهُمَا صَحِيحُ الْمَعْنَى ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَعْنَاهُ إِذَا صِيحَ بِنَا لِفَزَعٍ أَوْ حَادِثٍ أَبَيْنَا الْفِرَارَ وَثَبَتْنَا ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ جِئْنَا وَأَقْدَامنَا عَلَى عَدُوِّنَا . قَالَ : وَالرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِالْمُثَنَّاةِ أَوْجَهُ ؛ لِأَنَّ إِعَادَةَ الْكَلِمَةِ فِي قَوَافِي الرَّجَزِ عَنْ قُرْبٍ عَيْبٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ قَوْلَهُ : " إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا " بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَقَوْلُهُ : " إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا " بِالْمُثَنَّاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَإِنْ أَرَادُونَا عَلَى فِتْنَةٍ أَبَيْنَا " وَهُوَ تَغْيِيرٌ .