41 - بَاب الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ
رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
4249 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ .


قَوْلُهُ : ( بَابُ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ ) ؛ أَيْ جُعِلَ فِيهَا السُّمُّ ، وَالسُّمُّ مُثَلَّثُ السِّينِ .
قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُعَلَّقًا أَيْضًا ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ هُنَاكَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ) هُوَ ابْنُ أبي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ فَذَكَرَ هَذَا الطَّرَفَ ، وَزَادَ : " فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُودَ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ . قَالَ ابن إِسْحَاقَ : لَمَّا اطْمَأَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلَّامِ بْنِ مُشْكِمٍ شَاةً مَشْوِيَّةً ، وَكَانَتْ [7/569] سَأَلَتْ : أَيُّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إِلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهَا : الذِّرَاعُ ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا مِنَ السُّمِّ ، فَلَمَّا تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ لَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً وَلَمْ يُسِغْهَا ، وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَأَسَاغَ لَقُمْتَهُ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَأَنَّهُ صَفَحَ عَنْهَا ، وَأَنَّ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ مَاتَ مِنْهَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاةً مَسْمُومَةً فَأَكَلَ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَةٌ . وَقَالَ لَهَا : مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَيُطْلِعَكَ اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَأُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ . قَالَ : فَمَا عَرَضَ لَهَا . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، فَقَالَ : " فَلَمْ يُعَاقِبْهَا " .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : " فَاحْتَجَمَ عَلَى الْكَاهِلِ " ، قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : " فَأَسْلَمَتْ فَتَرَكَهَا " ، قَالَ مَعْمَرٌ : وَالنَّاسُ يَقُولُونَ : قَتَلَهَا .
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً ، وَفِي آخِرِهِ : " قَالَ : فَدَفَعَهَا إِلَى وُلَاةِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَقَتَلُوهَا " ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَهُوَ الثَّبْتُ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ جَابِرٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ نَحْوَهُ مُرْسَلًا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَصَلَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنَ الْأَكْلَةِ قَتَلَهَا ، وَبِذَلِكَ أَجَابَ السُّهَيْلِيُّ وَزَادَ : إنَّهُ كَانَ تَرَكَهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ قَتَلَهَا بِبَشَرٍ قِصَاصًا .
قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِكَوْنِهَا أَسْلَمَتْ ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ قَتْلَهَا حَتَّى مَاتَ بِشْرٌ لِأَنَّ بِمَوْتِهِ تَحَقَّقَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِشَرْطِهِ . وَوَافَقَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَلَى تَسْمِيَتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ الْحَارِثِ . وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا فَعَلْتِ ؟ قَالَتْ : قَتَلْتَ أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي وَأَخِي " . قَالَ : فَسَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ جَعْفَرٍ فَقَالَ : عَمُّهَا يَسَارٌ ، وَكَانَ مِنْ أَجْبَنِ النَّاسِ ، وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ الرَّفِّ . وَأَخُوهَا زُبَيْرٌ ، وَزَوْجُهَا سَلَّامُ بْنُ مُشْكِمٍ . وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : " أُخْتُ مَرْحَبٍ " ، وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ : " بِنْتُ أَخِي مَرْحَبٍ " ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ الزُّهْرِيُّ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ ، فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهَا " وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَرَحْمتَ النَّاسَ مِنْكَ " : وَقَدِ اسْتَبَانَ لِي الْآنَ أَنَّكَ صَادِقٌ ، وَأَنَا أُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَ أَنِّي عَلَى دِينِكَ ، وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . قَالَ : فَانْصَرَفَ عَنْهَا حِينَ أَسْلَمَتْ .
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ قِصَّةُ خَيْبَرَ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا : جَوَازُ قِتَالِ الْكُفَّارِ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَالْإِغَارَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ بِغَيْرِ إِنْذَارٍ ، وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ عَلَى السِّهَامِ ، وَأَكْلُ الطَّعَامِ الَّذِي يُصَابُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدَّخِرَهُ وَلَا يُحَوِّلَهُ ، وَأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْهَمُ لَهُ إِنْ رَضِيَ الْجَمَاعَةُ كَمَا وَقَعَ لِجَعْفَرٍ وَالْأَشْعَرِيِّينَ ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا كَمَا وَقَعَ لِأَبَانَ بْنِ سَعِيدٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ . وَمِنْهَا : تَحْرِيمُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ، وَتَحْرِيمُ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، وَجَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ ، وَيَثْبُتُ عَقْدُ الصُّلْحِ وَالتَّوَثُّيقِ مِنْ أَرْبَابِ التُّهَمِ ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَهُدِرَ دَمُهُ ، وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا ، وَجَوَازُ إِجْلَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُمْ ، وَجَوَازُ الْبِنَاءِ بِالْأَهْلِ بِالسَّفَرِ ، وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ غَالِبَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي أَبْوَابِهَا ، وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ .