15 - بَاب وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا
4566 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، قَالَ : حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ؛ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنَا ، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ : أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا ، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا ؛ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ ، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا ، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا سَعْدُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ، قَالَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اعْفُ عَنْهُ ، وَاصْفَحْ عَنْهُ ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ ، فَيُعَصِّبُونهُ بِالْعِصَابَةِ ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ ، وَيَصْطبِرُونَ عَلَى الْأَذَى ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا الْآيَةَ ، وَقَالَ اللَّهُ : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ : هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا .


[8/79] قَوْلُهُ : ( بَابُ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، فِيمَا كَانَ يَهْجُو بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ مِنَ الشِّعْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي خَبَرُهُ ، وَفِيهِ شَرْحُ حَدِيثِ : " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ؛ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَلَتْ .
قَوْلُهُ : ( عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ ) أَيْ : كِسَاءٍ غَلِيظٍ ، مَنْسُوبٍ إِلَى فَدَكَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ ، وَهِيَ بَلَدٌ مَشْهُورٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ .
قَوْلُهُ : ( يَعُودُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ) فِيهِ عِيَادَةُ الْكَبِيرِ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ فِي دَارِهِ . وَقَوْلُهُ : ( فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ) أَيْ : فِي مَنَازِلِ بَنِي الْحَارِثِ ، وَهُمْ قَوْمُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ .
قَوْلُهُ : ( قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " وَقِيعَةِ " .
قَوْلُهُ : ( وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ) أَيْ : قَبْلَ الْإِسْلَامِ .
قَوْلُهُ : ( فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ ) كَذَا فِيهِ تَكْرَارُ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ آخِرًا بَعْدَ الْبُدَاءَةِ بِهِ ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ أَحَدِهِمَا ، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ " فَعَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَوْلُهُ : " الْيَهُودِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْبَدَلِ أَوْ عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ مُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ ، نَعَمْ مِنْ لَازِمِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمُ - الْإِشْرَاكُ ، وَعَطْفُهُمْ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ تَنْوِيهًا بِهِمْ فِي الشَّرِّ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي رُجْحَانُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ ، كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِعبدةِ الْأَوْثَانِ وَبِالْيَهُودِ ، وَمِنْهُ يَظْهَرُ تَوْجِيهُ إِعَادَةِ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَخْلَاطَ بِشَيْئَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ لَمَّا فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِشَيْئَيْنِ رَأَى إِعَادَةَ ذِكْرِ الْمُسْلِمِينَ تَأْكِيدًا ، وَلَوْ كَانَ قَالَ : لَا هُنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ مَا احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ ، وَإِطْلَاقُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْيَهُودِ ؛ لِكَوْنِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَهُمْ وَيُرَجِّحُونَهُمْ عَلَى [8/80] الْمُسْلِمِينَ ، وَيُوَافِقُونَهُمْ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمُعَادَاتِهِ وَقِتَالِهِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ " فَعَطَفَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَوْلُهُ : ( عَجَاجَةُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَجِيمَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، أَيْ : غُبَارُهَا ، وَقَوْلُهُ : " خَمَّرَ " أَيْ : غَطَّى ، وَقَوْلُهُ : " أَنْفَهُ " فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " وَجْهَهُ " .
قَوْلُهُ : ( فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ ) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ كُفَّارٌ ، وَيَنْوِي حِينَئِذٍ بِالسَّلَامِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي سَلَّمَ بِهِ عَلَيْهِمْ صِيغَةُ عُمُومٍ فِيهَا تَخْصِيصٌ ، كَقَوْلِهِ : السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ ) عَبَّرَ عَنِ انْتِهَاءِ مَسِيرِهِ بِالْوُقُوفِ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ ) بِنَصْبِ أَحْسَنَ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ ، وَيَجُوزُ فِي أَحْسَنَ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَا وَالِاسْمُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ : لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " لَأَحْسَنُ " بِحَذْفِ الْأَلِفِ لَكِنْ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا لَامُ الْقَسَمِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِكِ ، حَكَاهُ عِيَاضٌ ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ ، وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَشْدِيدَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ نُونٍ مِنَ الْحِسِّ ، أَيْ : لَا أَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا .
قَوْلُهُ : ( يَتَثَاوَرُونَ ) بِمُثَلَّثَةٍ ، أَيْ : يَتَوَاثَبُونَ ، أَيْ : قَارَبُوا أَنْ يَثِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَقْتَتِلُوا ، يُقَالُ : ثَارَ إِذَا قَامَ بِسُرْعَةٍ وَانْزِعَاجٍ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى سَكَنُوا ) بِالنُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُثَنَّاةِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ نَزَلَ فِي ذَلِكَ : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الْآيَةَ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَجَوَابَهُ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ .
قَوْلُهُ : ( أَيَا سَعْدُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : " أَيْ سَعْدُ " .
قَوْلُهُ : ( أَبُو حُبَابٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَكَنَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ مَشْهُورًا بِهَا أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَقَدِ اصْطَلَحَ ) بِثُبُوتِ الْوَاوِ لِلْأَكْثَرِ ، وَبِحَذْفِهَا لِبَعْضِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ " الْبُحَيْرَةِ " بِالتَّصْغِيرِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَرْيَةِ وَعَلَى الْبَلَدِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ ، وَنَقَلَ يَاقُوتٌ أَنَّ الْبَحْرَةَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ ) يَعْنِي : يُرَئِّسُوهُ عَلَيْهِمْ وَيُسَوِّدُوهُ ، وَسُمِّيَ الرَّئِيسُ مُعَصَّبًا ؛ لِمَا يَعْصِبُ بِرَأْسِهِ مِنَ الْأُمُورِ ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يُعَصِّبُونَ رُءُوسَهُمْ بِعِصَابَةٍ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ ، يَمْتَازُونَ بِهَا ، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ : " فَيُعَصِّبُونَهُ " وَالتَّقْدِيرُ فَهُمْ يُعَصِّبُونَهُ ، أَوْ فَإِذَا هُمْ يُعَصِّبُونَهُ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ : " لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ ، وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ " ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ .
قَوْلُهُ : ( شَرِقَ بِذَلِكَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، أَيْ : غُصَّ بِهِ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَسَدِ ، يُقَالُ : غُصَّ بِالطَّعَامِ [8/81] وَشَجِيَ بِالْعَظْمِ وَشَرِقَ بِالْمَاءِ إِذَا اعْتَرَضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَلْقِ فَمَنَعَهُ الْإِسَاغَةَ .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ) هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ ابْنُ حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ مُتَّحِدًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجْ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّهُ : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي " الْمُسْتَخْرَجِ " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الْآيَةَ ، وَبِمَا بَعْدَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا تَتَبَيَّنُ الْمُنَاسَبَةُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا
قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ ) أَيْ : فِي قِتَالِهِمْ ، أَيْ : فَتَرَكَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَهُ أَصْلًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْكِ الْقِتَالِ أَوَّلًا وَوُقُوعِهِ آخِرًا ، وَإِلَّا فَعَفْوُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَصَفْحُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ مَشْهُورٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَالسِّيَرِ .
قَوْلُهُ : ( صَنَادِيدَ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ خَفِيفَةٍ ، جَمْعُ : صِنْدِيدٍ ، بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ : الْكَبِيرُ فِي قَوْمِهِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ ) أَيْ : ظَهَرَ وَجْهُهُ .
قَوْلُهُ : ( فَبَايَعُوا ) بِلَفْظِ الْمَاضِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .