فتح الباري لابن حجر
9 - سُورَةُ بَرَاءَةٍ
مَرْصَدٌ : طَرِيقٌ ، إِلَّا : الْإِلُّ الْقِرْابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ ، وَلِيجَةَ : كُلِّ شَيْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَيْءٍ ، الشَّقَّةُ : السَّفَرُ ، الْخَبَالُ : الْفَسَادُ ، وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ ، وَلَا تَفْتِنِّي : لَا تُوَبِّخُنِي ، كَرَهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ ، مُدْخَلًا : يَدْخُلُونَ فِيهِ ، يَجْمَحُونَ : يُسْرِعُونَ ، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ : ائُتُفِكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ ، أَهْوَى : أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ ، عَدْنٍ : خُلْدٍ ، عَدَنْتَ بِأَرْضٍ أَيْ أَقَمْتَ ، وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ فِي مَنْبِتٍ صِدْقٍ ، الْخَوَالِفُ : الْخَالِفُ الَّذِي خَلَّفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي ، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغابرين وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمَعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ : فَارِسٌ وَفَوَارِسُ ، وَهَالَكٌ وَهَوَالِكُ ، الْخَيِّرَاتُ : وَاحِدُهَا خِيرَةٌ ، وَهِيَ الْفَوَاضِلُ ، مُرْجَوْنَ : مُؤَخَّرُونَ ، الشَّفَا : الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ ، وَالْجُرْفُ : مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوديَةِ ، هَارٍ : هَائِرٍ ، لَأَوَاهٌ : شَفَقًا وَفَرَقًا ، وَقَالَ :
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ
تَأَوُّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ
قَوْلُهُ : ( سُورَةُ بَرَاءَةِ ) هِيَ سُورَةُ التَّوْبَةِ وَهِيَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخْرَى تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا فَقِيلَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَالْبَسْمَلَةُ أَمَانٌ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ شَكُّوا هـَلْ هِيَ وَالْأَنْفَالُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَانِ فَفَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِسَطْرٍ لَا كِتَابَةَ فِيهِ وَلَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ الْبَسْمَلَةَ . وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ السُّنَنِ .
قَوْلُهُ : ( مَرْصَدٍ طَرِيقٍ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ قَوْلُ ، أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
أَيْ كُلُّ طَرِيقٍ ، وَالْمَرَاصِدُ الطُّرُقُ .
قَوْلُهُ : ( إِلًّا : الْإِلُّ الْقَرَابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ ) تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ .
قَوْلُهُ :
وَلِيجَةً
كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَسَقَطَ هُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ .
قَوْلُهُ : ( الشُّقَّةُ : السَّفَرُ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ " الْبَعِيدُ " وَقِيلَ الشُّقَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي يَشُقُّ سُلُوكُهَا .
قَوْلُهُ : ( الْخَبَالُ : الْفَسَادُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا
الْخَبَالُ الْفَسَادُ .
قَوْلُهُ : ( وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ ) كَذَا لَهُمْ وَالصَّوَابُ الْمُوتَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ .
[8/165]
قَوْلُهُ :
وَلا تَفْتِنِّي
لَا تُوَبِّخْنِي ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاءُ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ ، وَالْجُرْجَانِيِّ " تُوَهِّنِّي " بِالْهَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْوَهَنِ وَهُوَ الضَّعْفُ ، وَلِابْنِ السَّكَنِ " تُؤَثِّمْنِي " بِمُثَلَّثَةٍ ثَقِيلَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الْإِثْمِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ النَّقْلَ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ :
وَلا تَفْتِنِّي
قَالَ : لَا تُؤَثِّمْنِي :
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
أَلَا فِي الْإِثْمِ سَقَطُوا .
قَوْلُهُ : ( كَرْهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ ) أَيْ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ .
قَوْلُهُ :
مُدَّخَلا
يَدْخُلُونَ فِيهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ :
مَلْجَأً
يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا ) يَدْخُلُونَ فِيهِ وَيَتَغَيَّبُونَ انْتَهَى ، وَأَصْلُ مُدَّخَلًا مُدْتَخَلًا فَأُدْغِمَ ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ أَيْضًا ، وَعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ مَدْخَلًا بِفَتْحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سُكُونٌ
يَجْمَحُونَ
يُسْرِعُونَ ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ ، وَمِنْهُ فَرَسٌ جَمُوحٌ .
قَوْلُهُ :
وَالْمُؤْتَفِكَاتِ
ائْتَفَكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
هُمْ قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ أَيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ .
قَوْلُهُ :
أَهْوَى
أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ تَقَعْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةِ وَإِنَّمَا هـِيَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ :
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى
قَوْلُهُ : ( عَدْنٍ : خُلْدٍ إِلَخْ ) وَاقْتَصَرَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى مَا هُنَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
جَنَّاتِ عَدْنٍ
أَيْ خُلْدٍ ، يُقَالُ : عَدَنَ فُلَانُ بِأَرْضِ كَذَا أَيْ أَقَامَ ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ ، عَدَنْتُ بِأَرْضِ أَقَمْتُ ، وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ .
قَوْلُهُ : ( الْخَوَالِفُ : الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي ، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ :
مَعَ الْخَالِفِينَ
الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَ بَعْدَ شَاخِصٍ فَقَعَدَ فِي رَحْلِهِ ، وَهُوَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْمِ ، وَمِنْهُ : اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي فِي وَلَدِي . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ " إِلَى حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ :
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَوَالِفُ هَاهُنَا النِّسَاءُ ، وَلَا يَكَادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجَالَ عَلَى فَوَاعِلَ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ شَاهِقٌ وَشَوَاهِقُ وَنَاكِسٌ وَنَوَاكِسُ وَدَاجِنٌ وَدَوَاجِنُ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَعَ الِاثْنَيْنِ جَمْعُ فَاعِلٍ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَالْمَشْهُورُ فِي فَوَاعِلَ جَمْعُ فَاعِلَةٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ فَوَاضِحُ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ فِي صِفَةِ الْمُفْرَدِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ الرِّجَالِ فَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ خَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهِ : وَالْأَصْلُ فِي جَمْعِهِ بِالنُّونِ . وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَاهِلٌ وَكَوَاهِلُ وَجَائِحٌ وَجَوَائِحُ وَغَارِبٌ وَغَوَارِبُ وَغَاشٍ وَغَوَاشٍ ، وَلَا يَرِدُ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَيْسَا مِنْ صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْآخَرَانِ جَمْعُ غَارِبٍ وَغَاشِيَةٌ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ إِنْ وُصِفَ بِهَا الْمُذَكَّرُ ، وَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ :
[8/166]
وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتُهُمْ
خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَذْقَانِ
احْتَاجَ الْفَرَزْدَقُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَأَجْرَى نَوَاكِسَ عَلَى أَصْلِهِ ، وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا أَبَدًا إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ ، وَلَا تَجْمَعُ النُّحَاةُ مَا كَانَ مِنْ فَاعِلٍ نَعْتًا عَلَى فَوَاعِلَ لِئَلَّا يَلْتَبِسُ بِالْمُؤَنَّثِ ، وَلَمْ يَأْتِ ذَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ فَارِسٍ وَفَوَارِسَ ، وَهَالِكٍ وَهَوَالِكَ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَرْدِ فَأُمِنَ فِيهِ اللَّبْسُ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْمِثْلِ يَقُولُونَ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ فَأَجْرَوْهُ عَلَى أَصْلِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ . قُلْتُ : فَظَهَرَ أَنَّ الضَّابِطَ فِي هَذَا أَنْ يُؤْمَنَ اللَّبْسُ أَوْ يَكْثُرَ الِاسْتِعْمَالُ أَوْ تَكُونُ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ يَكُونُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْخَوَالِفُ النِّسَاءُ ، وَيُقَالُ خِسَاسُ النِّسَاءِ وَرَذَالَتُهُمْ ، وَيُقَالُ فُلَانٌ خَالفَه أَهْلِهِ إِذَا كَانَ دَيِّنًا فِيهِمْ . وَالْمُرَادُ بِالْخَوَالِفِ فِي الْآيَةِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ الْعَاجِزُونَ وَالصِّبْيَانُ ، فَجُمِعَ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِنَّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ :
مَعَ الْخَالِفِينَ
فَجُمِعَ جَمْعَ الذُّكُورِ تَغْلِيبًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ .
قَوْلُهُ : ( الْخَيْرَاتُ وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ وَهِيَ الْفَوَاضِلُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ
جَمْعُ خَيْرَةٍ وَمَعْنَاهَا الْفَاضِلَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
قَوْلُهُ :
مُرْجَوْنَ
مُؤَخَّرُونَ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ .
قَوْلُهُ : ( الشَّفَا : الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ حَرْفُهُ .
قَوْلُهُ : ( وَالْجُرُفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
عَلَى شَفَا جُرُفٍ
الشَّفَا الشَّفِيرُ ، وَالْجُرُفُ مَا لَمْ يُبْنَ مِنَ الرَّكَايَا ، قَالَ : وَالْآيَةُ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّ الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ وَهُوَ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ وَلَا يَثْبُتُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ :
هَارٍ
هَائِرٍ ، تَهَوَّرَتِ الْبِئْرُ إِذَا انْهَدَمَتْ ، وَانْهَارَ مِثْلُهُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
هَارٍ
أَيْ هَائِرٍ : وَالْعَرَبُ تَنْزِعُ الْيَاءَ الَّتِي فِي الْفَاعِلِ ، وَقِيلَ لَا قَلْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى سَاقِطٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي آلِ عِمْرَانَ .
قَوْلُهُ :
لأَوَّاهٌ
شَفَقًا وَفَرَقًا ، قَالَ الشَّاعِرُ :
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ
تَأَوَّهَ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ
هُوَ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَفَرَقًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ فَذَكَرَهُ . وَقَوْلُهُ " أَرْحَلُهَا " هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَوْلُهُ " آهَةَ " بِالْمَدِّ لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ بِلَا مَدٍّ .
( تَنْبِيهٌ ) هَذَا الشِّعْرُ لِلْمُثَقِّبِ الْعَبْدِيِّ وَاسْمُهُ جِحَاشُ بْنُ عَائِذٍ ، وَقِيلَ ابْنُ نَهَارٍ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا :
أَفَاطِمُ قَبْلَ بَيْنِكِ مَتِّعِينِي
وَمَنْعِكِ مَا سَأَلْتُ كأَنْ تَبِينِي
وَلَا تَعِدِي مَوَاعِدَ كَاذِبَاتٍ
تَمُرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ دُونِي
فَإِنِّي لَوْ تُخَالِفُنِي شِمَالِي
لَمَا أَتْبَعْتُهَا أَبَدًا يَمِينِي
وَيَقُولُ فِيهَا :
فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ
فَأَعْرِفُ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي
وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي
عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي
وَهِيَ كَثِيرَةُ الْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ . وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ يَقُولُ : لَوْ كَانَ الشِّعْرُ مِثْلُهَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوهُ .
1 - بَاب :
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أَذَانٌ : إِعْلَامٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :
أُذُنٌ
يُصَدِّقُ ،
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ ، وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ ،
لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يُضَاهُونَ : يُشَبِّهُونَ .
4654 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :
آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ : بَرَاءَةٌ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
- إِلَى -
الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أَذَانٌ : إِعْلَامٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
قَالَ : عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ أَذَنْتُهُمْ أَيْ أَعْلَمْتُهُمْ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُذُنٌ يُصَدِّقُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ :
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
يَعْنِي أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، قَالَ اللَّهُ :
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
يَعْنِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ، وَظَهَرَ أَنَّ " يُصَدِّقُ " تَفْسِيرُ يُؤْمِنُ لَا تَفْسِيرُ أُذُنٍ كَمَا يَفْهَمُهُ صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اخْتَصَرَهُ .
قَوْلُهُ :
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ " أَيْ فِي الْقُرْآنِ ، وَيُقَالُ التَّزْكِيَةُ ( وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ :
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
قَالَ : الزَّكَاةُ طَاعَةُ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصُ .
قَوْلُهُ : ( لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ : لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
قَالَ : هُمُ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَفْسِيرِ فُصِّلَتْ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا . وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّكَاةُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ دَفْعٌ لِاحْتِجَاجِ مَنِ احْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ .
قَوْلِهِ : ( يُضَاهُونَ : يُشَبِّهُونَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُضَاهونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أَيْ يُشَبِّهُونَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْمُضَاهَاةُ التَّشْبِيهُ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي آخِرِ آيَةٍ نَزَلَتْ وَآخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَاهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنِ اسْتِقْرَاءِ بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَةً ، وَأَمَّا السُّورَةُ فَالْمُرَادُ بَعْضُهَا أَوْ مُعْظَمُهَا وَإِلَّا فَفِيهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَةَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ بَرَاءَةٍ نَزَلَ عَقِبَ
فَتْحِ مَكَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ
وَقَدْ نَزَلَ :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُعْظَمُهَا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبَهَا نَزَلَ فِي
غَزْوَةِ تَبُوكَ
وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ :
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ، وَأَذْكُرُ الْجَمْعَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ قِيلَ فِي آخِرِيَّةِ نُزُولِ بَرَاءَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهَا ، فَقِيلَ قَوْلُهُ :
فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ
الْآيَةَ وَقِيلَ :
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى :
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ " آخِرُ آيَةٍ
[8/168]
نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ ، فَعَاشَ بَعْدَهَا خَمْسِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ .