23 ، 24 الْقَوَدُ مِنْ الْجَبْذَةِ
4776 أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا قَامَ قُمْنَا ، فَقَامَ يَوْمًا وَقُمْنَا مَعَهُ ، حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ [8/34] مِنْ وَرَائِهِ ، وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ ؛ فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ : يَا فُلَانُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا ، وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْصَرِفُوا .


قَوْله : ( فجَبَذَ ) في الْقَامُوس : الْجَبْذ الْجَذْب ، ولَيْسَ مَقْلُوبه ، بل لُغَة صَحِيحَة [8/34] كَمَا وهِمَهُ الْجَوْهَرِيّ .
( فحَمَّرَ ) مِنْ التَّحْمِير أَيْ : جَعَلَهَا حَمْرَاء.
( اِحْمِلْ لِي ) أِعْطِنِي مِنْ الطَّعَام وغَيْره مَا أَحْمِل عَلَيْهِمَا ، وهَذَا مِنْ عَادَة جُفَاة الْأَعْرَاب وخُشُونَتهمْ وعَدَم تَهْذِيب أَخْلَاقهمْ.
( لَا ) أَيْ : لَا أَحْمِل مِنْ مَالِي.
( وأَسْتَغْفِر اللَّه ) مِنْ أَنْ أَعْتَقِد ذَلِكَ.
( لَا أَحْمِل لَك حَتَّى تُقَيِّدنِي ) مِنْ الْإقَادَة ، ولَعَلَّ الْمُرَاد الْإَخْبَار أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ أَنْ يَحْمِل لَهُ بِلَا أَخْذ الْقَوَد مِنْهُ ، وإِلَّا فقَدْ حَمَلَهُ بِلَا قَوَد ، وفِيهِ دَلَالَة عَلَى شَرْع الْقَوَد لِلْجَبْذَةِ.
( واَللَّه لَا أُقِيدُكَها ) كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لِكَمَالِ كَرَمه يَعْفُو الْبَتَّة ، وفِي أَمْثَال هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا الْمُعْجِزَات إِلَّا هَذَا الْخَلْق لَكَفَى شَاهِدًا عَلَى النُّبُوَّة ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.
( عَزَمْت ) أَيْ : أَقْسَمْت.
( أَنْ لَا يَبْرَح مَقَامه ) أَيْ : لَا يَتْرُك مَقَامه ، بل يَقُوم مَقَامه كَأَنَّهُ أَرَادَ إِظْهَار مَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ شَرْح الصَّدْر وسَعَة الْخَلْق لِيَقْتَدُوا بِهِ في ذَلِكَ بِقَدْرِ وسْعهمْ ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .