63 - سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 - بَاب قَوْلُهُ " إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ " إِلَى " لَكَاذِبُونَ "
4900 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كُنْتُ فِي غَزَاةٍ ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ، وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ ، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ ، فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ لِي عَمِّي : مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ .


قَوْلُهُ ( سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . بَابُ قَوْلِهِ : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الْآيَةَ . وَسَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ " لَكَاذِبُونَ " .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) هُوَ السَّبِيعِيُّ ، وَلِإِسْرَائِيلَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ) سَيَأْتِي بَعْدُ بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ تَصْرِيحُهُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ زَيْدٍ .
قَوْلُهُ : ( كُنْتُ فِي غَزَاةٍ ) زَادَ بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ " مَعَ عَمِّي " ، وَهَذِهِ الْغَزَاةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ [8/513] ابْنِ كَعْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ : " فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ " ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ . . . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهَا غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا يُؤَيِّدُهُ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي " الْإِكْلِيلِ " مِنْ طَرِيقِهِ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ الْقَوْلَ الْآتِي ذِكْرُهُ صَدَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ أَنْ قَفَلُوا .
قَوْلُهُ : ( فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ) هُوَ ابْنُ سَلُولٍ رَأْسُ النِّفَاقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي تَفْسِيرِ " بَرَاءَةٌ " .
قَوْلُهُ : ( يَقُولُ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ) هُوَ كَلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الرَّاوِي بِسِيَاقِهِ التِّلَاوَةَ ، وَغَلِطَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ : هَذَا وَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ فِي الْمَصَاحِفِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ .
قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَالَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ بِحِكَايَةِ جَمِيعِ كَلَامِهِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَئِنْ رَجَعْنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : " وَلَوْ رَجَعْنَا " ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَبَعْدَ الْوَاوِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ، وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ : " وَقَالَ : لَئِنْ رَجَعْنَا " وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ زَيْدٍ بَعْدَ بَابِ : " وَقَالَ أَيْضًا : لَئِنْ رَجَعْنَا " ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ سَبَبُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ ) كَذَا بِالشَّكِّ ، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْآتِيَةِ لِعَمِّي بِلَا شَكٍّ ، وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ زَيْدٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَمِّهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَلَيْسَ عَمَّهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ سَيِّدُ قَوْمِهِ الْخَزْرَجِ ، وَعَمُّ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْحَقِيقِيُّ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَعَمُّهُ زَوْجُ أُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ خَزْرَجِيٌّ أَيْضًا . وَوَقَعَ فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَعَ لِأَوْسِ بْنِ أَرْقَمَ فَذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَبَبُ الشَّكِّ فِي ذِكْرِ عُمَرَ ، وَجَزَمَ الْحَاكِمُ فِي " الْإِكْلِيلِ " أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ .
قُلْتُ : وَلَا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، إِلَّا أَنَّ الْقِصَّةَ مَشْهُورَةٌ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَرِيبًا مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ؛ أَيْ ذَكَرَهُ عَمِّي ، وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدٍ : " فَأَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَكَذَا فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ ، فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِخْبَارَ مَجَازًا ، لَكِنْ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّكَ أَخْطَأَ سَمْعُكَ ، لَعَلَّكَ شُبِّهَ عَلَيْكَ ، فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ رَاسَلَ بِذَلِكَ أَوَّلًا عَلَى لِسَانِ عَمِّهِ ثُمَّ حَضَرَ هُوَ فَأَخْبَرَ .
قَوْلُهُ : ( فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : " فَأَجْهَدَ يَمِينَهُ " ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ مَعَهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : " فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا " .
قَوْلُهُ : ( فَكَذَّبَنِي ) بِالتَّشْدِيدِ ، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : " فَقَالُوا : كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَهَذَا بِالتَّخْفِيفِ ، وَرَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : " فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : أَتَى زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَذِبِ " .
قَوْلُهُ : ( وَصَدَّقَهُ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : فَصَدَّقَهُمْ ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُهَا .
قَوْلُهُ : ( فَأَصَابَنِي هَمٌّ ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : " فَوَقَعَ فِي نَفْسِي شِدَّةٌ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ زَيْدٍ : " فَوَقَعَ عَلَيَّ [8/514] من الهم ما لم يقع على أحد " ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : " فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَنِمْتُ " زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : " فَنِمْتُ كَئِيبًا حَزِينًا " ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : " حَتَّى جَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ مَخَافَةَ إِذَا رَآنِي النَّاسُ أَنْ يَقُولُوا كَذَبْتَ " .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لِي عَمِّي : مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ : فَقَالَ لِي عُمَرُ . قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَالصَّوَابُ " عَمِّي " كَمَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ ، انْتَهَى . وَقَدْ ذَكَرْتُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي احْتِمَالَ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( وَمَقَتَكَ ) فِي رِوَايَةٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : " فَلَامَنِي الْأَنْصَارُ " ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ : " وَلَامَنِي قَوْمِي " .
قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : " فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ؛ أَيْ بِالْوَحْيِ ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : " حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ " ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : " فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ أَبْصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوحَى إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ " ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ قَالَ : " فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ أَتَانِي فَعَرَكَ بِأُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي ، فَلَحِقَنِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلَنِي فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : أَبْشِرْ . ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ " .
قَوْلُهُ : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ زَادَ آدَمُ إِلَى قَوْلِهِ : " هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مُخْتَصَرَةٌ حَيْثُ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ : " وَنَزَلَ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا الْآيَةَ " لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ : " فَنَزَلَتْ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا حَتَّى بَلَغَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ " .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ ) وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ : فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُذُنِ الْغُلَامِ فَقَالَ : وَفَتْ أُذُنُكَ يَا غُلَامُ مَرَّتَيْنِ . زَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ : " فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ " ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ تَرْكُ مُؤَاخَذَةِ كُبَرَاءِ الْقَوْمِ بِالْهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِرَ أَتْبَاعُهُمْ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مُعَاتَبَاتِهِمْ وَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ وَتَصْدِيقِ أَيْمَانِهِمْ وَإِنْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ تُرْشِدُ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْلِيفِ . وَفِيهِ جَوَازُ تَبْلِيغِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمَقُولِ فِيهِ ، وَلَا يُعَدُّ نَمِيمَةً مَذْمُومَةً إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِفْسَادَ الْمُطْلَقَ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تُرَجَّحُ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فَلَا .