|
4 - بَاب قَوْلُهُ : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ ، وَالتَّوَّابُ مِنْ النَّاسِ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ 4970 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ : لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ . قَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا ، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا . فَقَالَ لِي : أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَقُلْتُ : لَا قَالَ : فَمَا تَقُولُ ؟ قُلْتُ : هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَالَ عُمَرُ : مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ .
[8/607] قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ . وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ فِي مَوْضِعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ ) أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَكَانَتْ عَادَةُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي السَّابِقَةِ ، وَكَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ مَزِيَّةً تَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ ) أَيْ غَضِبَ وَلَفْظُ " وَجَدَ " الْمَاضِي يُسْتَعْمَلُ بِالِاشْتِرَاكِ بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَالْحُبِّ وَالْغِنَى وَاللِّقَاءِ ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُلْقَى ضَالَّةً أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ إِنْسَانًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا ، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ ) ؟ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " كَانَ أُنَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَرَ فِي إِدْنَائِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ " وَفِي تَارِيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ ، وَزَادَ " وَكَانَ عُمَرُ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِيبُوا . وَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ ؟ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فَتَكَلَّمِ الْآنَ مَعَهُمْ . وَهَذَا الْقَائِلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ " بَعْضُهُمْ " هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ " كَانَ عُمَرُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ " وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْلَهُ أَيْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ ، لَا فِي مِثْلِ فَضْلِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَدًا فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى ، لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا وَأَدْرَكَ عُمَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَّا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ . لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أُمَّهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْرَ السِّنِّ ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " لَنَا " مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ إِذْ ذَاكَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : " إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ " وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ " إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَمُ " وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَفِطْنَتِهِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : " قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ : أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ : ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُولِ ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا " وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيُّ فِي " مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ " مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَا : " قَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِهِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي عُمَرَ - يُدْنِيكَ ، فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا ، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا ، وَلَا يَسْمَعُ مِنْكَ كَذِبًا " وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ بَدَلَ الثَّالِثَةِ ، وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ ) فِي رِوَايَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ " فَدَعَاهُ " وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ " فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ " . [8/608] قَوْلُهُ : ( فَمَا رُئِيَتُ ) بِضَمِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ " فَمَا أَرَيْتُهُ " بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا لِيُرِيَهُمْ ) زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ " مِنِّي " أَيْ مِثْلَ مَا رَآهُ هُوَ مِنِّي مِنَ الْعِلْمِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ : " أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمُ الْيَوْمَ مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَهُ " . قَوْلُهُ : ( مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ " حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ " . قَوْلُهُ : ( إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا ) فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ " قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ " . قَوْلُهُ : ( وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا " . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَقُلْتُ : لَا . قَالَ : فَمَا تَقُولُ ) ؟ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ " فَقَالَ عُمَرُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَكَلَّمُ ؟ فَقَالَ : أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوتُ ، قَالَ : إِذَا جَاءَ " . قَوْلُهُ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ " فَتْحُ مَكَّةَ " . قَوْلُهُ : ( وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ " فَهُوَ آيَتُكَ فِي الْمَوْتِ " وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ " أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ، نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ، وَوَهِمَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ " نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ " ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نُعِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسُهُ ، فَأَخَذَ بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ " ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " لَمَّا نَزَلَتْ عَلِمَ أَنْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ " ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ الْوَدَاعُ " . وَسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ : إِنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِإِذَا الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ ؟ فَأَجَبْتُ بِضَعْفِ مَا نَقَلَهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالْفَتْحِ ، لِأَنَّ مَجِيءَ النَّاسِ أَفْوَاجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ . وَقَدْ أَوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤَالَ وَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ " إِذَا " قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " إِذْ " كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً الْآيَةَ . ثَانِيهِمَا : أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْجَوَابَيْنِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى . قَوْلُهُ : ( إِلَّا مَا تَقُولُ ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ " إِلَّا مَا تَعْلَمُ " زَادَ أَحْمَدُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِمَا ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ " فَقَالَ عُمَرُ : كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَى حُبِّ مَا تَرَوْنَ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حِينَئِذٍ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَذَكَرَ جَوَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتِنْبَاطَهُ وَتَصْوِيبَ عُمَرَ قَوْلَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، لَكِنْ أَجَابُوا فِيهَا بِقَوْلِهِمْ : اللَّهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ عُمَرُ : قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ ، الْحَدِيثَ . وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . وَفِيهِ جَوَازُ تَحْدِيثِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَإِعْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لِيُنْزِلَهُ مَنْزِلَتَهُ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ ، لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ . وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ [8/609] رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - : أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ .
|