2 - بَاب قَوْلُهُ اللَّهُ الصَّمَدُ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ . قَالَ أَبُو وَائِلٍ : هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدَدُهُ
4975 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ . أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ : إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ كُفُوًا وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ .


[8/612] قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ اللَّهُ الصَّمَدُ ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدُ ) . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الصَّمَدُ : السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فَعَلٌ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ
بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ

قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو وَائِلٍ : هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ هُنَا ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، فَوَصَلَهُ بِذِكْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، قَالَ الْمِزِّيُّ فِي " الْأَطْرَافِ " : فِي بَعْضِ النُّسَخِ " حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ " قُلْتُ : وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ ، وَهُمَا مَشْهُورَانِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مِمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ .
قَوْلُهُ : ( كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ " كَذَّبَنِي عَبْدِي " .
قَوْلُهُ : ( وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ) ثَبَتَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَسَقَطَ بَقِيَّةُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَكَذَا النَّسَفِيُّ ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ بَنِي آدَمَ ، وَهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالدَّهْرِيَّةِ ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا مِنَ الْعَرَبِ أَيْضًا وَمِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
قَوْلُهُ : ( أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ ) كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْفَاءِ فِي جَوَابِ " أَمَّا " وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ " فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي " وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " أَنْ يَقُولَ : فَلْيُعِيدُنَا كَمَا بَدَأَنَا " وَهِيَ مِنْ شَوَاهِدِ وُرُودِ صِيغَةِ أَفْعَلَ بِمَعْنَى التَّكْذِيبِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ " وَلَيْسَ بِأَوَّلِ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ مِنْ إِعَادَتِهِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ " أَهْوَنَ " فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا بِمَعْنَى هَيِّنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْجُهِ .
قَوْلُهُ : ( وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدُ ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ " وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ " .
قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَهُوَ وِزَانُ مَا قَبْلَهُ . وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ " وَهُوَ الْتِفَاتٌ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ " وَلَمْ يَكُنْ لِي " بَعْدَ قَوْلِهِ " لَمْ يَلِدْ " وَهُوَ الْتِفَاتٌ أَيْضًا . وَلَمَّا كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ قَدِيمًا مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ ، وَكَانَ كُلُّ مَوْلُودٍ مُحْدَثًا انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ ، وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُجَانِسُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَتَتَوَالَدُ انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، [8/613] لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ : " فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا " بَدَلَ قَوْلِهِ : " وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ إِلَخْ " وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الصَّحَابِيَّيْنِ حَفِظَ فِي آخِرِهِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ غَيْرَهُ إِلَى أَمْرٍ لَا يَلِيقُ بِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَتَمَهُ ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( كُفُوًا وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ ) أَيْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالْأَوَّلُ بِضَمَّتَيْنِ ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ الْهَمْزَةُ ، وَالثَّالِثُ بِكَسْرِ الْكَافِ ثُمَّ الْمَدِّ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : كُفُوًا يُثَقَّلُ وَيُخَفَّفُ ، أَيْ يُضَمُّ وَيُسَكَّنُ .
قُلْتُ : وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ ، وَفَتَحَ حَفْصٌ الْوَاوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ . وَبِالسُّكُونِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَبِهَمْزٍ فِي الْوَصْلِ وَيُبَدِّلُهَا وَاوًا فِي الْوَقْفِ ، وَمُرَادُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهَا لُغَاتٌ لَا قِرَاءَاتٌ نَعَمْ رُوِيَ فِي الشَّوَاذِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرٍ ثُمَّ مَدٍّ ، وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ لَكِنْ بِغَيْرِ مَدٍّ . وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُمَاثِلْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يُشَاكِلْهُ ، أَوِ الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ نَفْيًا لِلْمُصَاحَبَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِنَفْيِ الْمُكَافَأَةِ عَنْ ذَاتِهِ تَعَالَى .