2 - بَاب نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
4984 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : فَأَمَرَ عُثْمَانُ ، زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَقَالَ لَهُمْ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا .


قَوْلُهُ : ( بَابٌ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ " لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى قُرْآنًا إِلَخْ . وَأَمَّا نُزُولُهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ فَمَذْكُورٌ فِي الْبَابِ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ لَا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ " وَأَمَّا عَطْفُ الْعَرَبِ عَلَيْهِ فَمِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ، لِأَنَّ قُرَيْشًا مِنَ الْعَرَبِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي " الْمَصَاحِفِ " مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ قَالَ : " إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي اللُّغَةِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ مُضَرَ " اهـ وَمُضَرُ هُوَ ابْنُ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي أَنْسَابُ قُرَيْشٍ وَقَيْسٍ وَهُذَيْلٍ [8/626] وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ : مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ " نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ " أَيْ مُعْظَمُهُ ، وَأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أَنَّهُ نَزَلَ بِجَمِيعِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُضَرَ دُونَ رَبِيعَةَ أَوْ هُمَا دُونَ الْيَمَنِ أَوْ قُرَيْشًا دُونَ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ ، لِأَنَّ اسْمَ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا ، وَلَوْ سَاغَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَسَاغَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ نَزَلَ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ .
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ " أَيِ ابْتِدَاءُ نُزُولِهِ ، ثُمَّ أُبِيحَ أَنْ يُقْرَأَ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي بَابِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ اهـ . وَتَكْمِلَتُهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ نَزَلَ أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَحَدُ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ ، ثُمَّ نَزَلَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْمَأْذُونِ فِي قِرَاءَتِهَا تَسْهِيلًا وَتَيْسِيرًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، فَلَمَّا جَمَعَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ رَأَى أَنَّ الْحَرْفَ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ أَوَّلًا بِلِسَانِهِ أَوْلَى الْأَحْرُفِ فَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لِسَانَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمَا لَهُ مِنَ الْأَوَّلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ عُمَرَ ، لِابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : ( وَأَخْبَرَنِي ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ " فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : فَأَمَرَ عُثْمَانُ " هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ " فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِهِمْ " أَيْ قُرَيْشٍ .
قَوْلُهُ : ( أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَالضَّمِيرُ لِلسُّوَرِ أَوْ لِلْآيَاتِ أَوِ الصُّحُفِ الَّتِي أُحْضِرَتْ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ " أَنْ يَنْسَخُوا مَا فِي الْمَصَاحِفِ " أَيْ يَنْقُلُوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مَصَاحِفَ أُخْرَى ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي صُحُفٍ لَا مَصَاحِفَ .