5267 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَبَّاح ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابنة جَحْشٍ ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا ، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَقُلْ : إِنِّي لَأَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا ، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا بأس ، شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابنة جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ . فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ - إِلَى - إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ - لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ - وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ لِقَوْلِهِ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا .


قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصِّيصِيُّ .
[9/290] قَوْلُهُ ( زَعَمَ عَطَاءٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الزَّعْمَ عَلَى مُطْلَقِ الْقَوْلِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِيرِ .
قَوْلُهُ ( إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ " يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ثُمَّ يَمْكُثُ عِنْدَهَا " وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ .
قَوْلُهُ ( فَتَوَاصَيْتُ ) كَذَا هُـنَا بِالصَّادِ مِنَ الْمُوَاصَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ " فَتَوَاطَيْتُ " بِالطَّاءِ مِنَ الْمُوَاطَأَةِ ، وَأَصْلُهُ تَوَاطَأْتُ بِالْهَمْزَةِ فَسُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ فَصَارَتْ يَاءً ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ .
قَوْلُهُ ( أَنْ أَيَّتُنَا دَخَلَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ " أَنَّ أَيَّتُنَا مَا دَخَلَ " بِزِيَادَةِ مَا وَهِيَ زَائِدَةٌ .
قَوْلُهُ ( إِنِّي لِأَجِدُ رِيحُ مَغَافِيرَ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بِتَقْدِيمِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ وَتَأْخِيرِ إِنِّي أَجِدُ . وَأَكَلْتَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ ، وَالْمَغَافِيرُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَبِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنَ الْحَدِيثِ بِحَذْفِهَا ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الَّتِي فِي الْمُفْرَدِ ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ اهـ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمَغَافِيرَ جَمْعُ مُغْفُورٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُقَالُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ بَدَلَ الْفَاءِ حَكَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي النَّبَاتِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَفْعُولٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ إِلَّا مُغْفُورٌ وَمُغْزُولٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الْكَمْأَةِ ، وَمُنْخُورِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْفِ ، وَمُغْلُوقٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَاحِدُ الْمَغَالِيقِ ، قَالَ : وَالْمُغْفُورُ صَمْغٌ حُلْوٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُغْفُورَ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ يَكُونُ فِي الرِّمْثِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ وَهُوَ مِنَ الشَّجَرِ الَّتِي تَرْعَاهَا الْإِبِلُ وَهُوَ مِنَ الْحَمْضِ ، وَفِي الصَّمْغِ الْمَذْكُورِ حَلَاوَةٌ ، يُقَالُ أَغَفَرَ الرِّمْثُ إِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ فِيهِ . وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ الْمُغْفُورَ يَكُونُ أَيْضًا فِي الْعُشَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفِي الثُّمَامِ وَالسِّلْمِ وَالطَّلْحِ .
وَاخْتُلِفَ فِي مِيمِ مُغْفُورٍ فَقِيلَ زَائِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مِغْفَارٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَمُغْفَرٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِفَتْحِهِ وَبِكَسْرِهِ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْفَاءُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : زَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ رَائِحَةَ الْمَغَافِيرِ وَالْعُرْفُطِ حَسَنَةٌ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ وَخِلَافُ مَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ اهـ ، وَلَعَلَّ الْمُهَلَّبَ قَالَ " خَبِيثَةٌ " بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ فَتَصَحَّفَتْ أَوِ اسْتَنَدَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ ، وَقَدْ نَسَبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى الْعَيْنِ أَنَّ الْعُرْفُطَ شَجَرُ الْعِضَاهِ ، وَالْعِضَاهُ كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وَإِذَا اسْتَيْكَ بِهِ كَانَتْ لَهُ رَائِحَةٌ حَسَنَةٌ تُشْبِهُ رَائِحَةَ طَيِّبِ النَّبِيذِ اهـ ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ رِيحُ عِيدَانِ الْعُرْفُطِ طَيِّبًا وَرِيحُ الصَّمْغِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ غَيْرَ طَيِّبَةٍ وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَصْحِيفَ ، وَقَدْ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " أَنَّ رَائِحَةَ وَرَقِ الْعُرْفُطِ طَيِّبَةٌ فَإِذَا رَعَتْهُ الْإِبِلُ خَبُثَتْ رَائِحَتُهُ ، وَهَذَا طَرِيقٌ آخَرُ فِي الْجَمْعِ حَسَنٌ جِدًّا .
قَوْلُهُ ( فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهَا ، وَأَظُنُّهَا حَفْصَةَ .
قَوْلُهُ ( فَقَالَ لَا بَأْسَ شَرِبْتُ عَسَلًا ) كَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ ، وَوَقَعَ لِلْبَاقِينَ " لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " وَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ لِلْجَمِيعِ حَيْثُ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا ، وكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، وَمُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ ، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَةَ " بَأْسَ " هُنَا مُغَيَّرَةٌ مِنْ لَفْظِهِ " بَلْ " وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ " فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ " .
قَوْلُهُ ( وَلَنْ أَعُودَ لَهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ " وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا " وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ [9/291] قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ قَالَ عِيَاضٌ : حُذِفَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَصَارَ النَّظْمُ مُشْكِلًا ، فَزَالَ الْإِشْكَالُ بِرِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ .
وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَوْلِهِ " حَلَفْتُ " عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ الَّتِي أُشِيرُ إِلَيْهَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ هِيَ عَنِ الْيَمِينِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ " حَلَفْتُ " فَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ لِأَجْلِ الْيَمِينِ لَا لِمُجَرَّدِ التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ التَّحْرِيمَ لَغْوٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِمُجَرَّدِهِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ " حَلَفْتُ " عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ أَيْ تَلَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ " فَقَالَ لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ " أَيِ الْخِطَابُ لَهُمَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ " فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ " وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ .
قَوْلُهُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا ) هَذَا الْقَدْرُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ ، وكُنْتُ أَظُنُّهُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ عَلَى ظَاهِرِ مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَتَّى وَجَدْتُهُ مَذْكُورًا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى : وَأَمَّا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَهُوَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَاخِلَةٌ فِي الْآيَاتِ الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهَا قَبْلَ قَوْلِهِ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَلَى هَذَا إِلَّا النَّسَفِيَّ فَوَقَعَ عِنْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ " فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ " مَا صُورَتُهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا لِقَوْلِهِ " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا " فَجَعَلَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةً لِلْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ لِمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَيْرٍ .