|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 73 ) كِتَاب الْأَضَاحِيِّ 1 - بَاب سُنَّةِ الْأُضْحِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ 5545 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ ، مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ . فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - وَقَدْ ذَبَحَ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً ، فَقَالَ : اذْبَحْهَا ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ " . قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ عَامِرٍ عَنْ الْبَرَاءِ : " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَّ نُسُكُهُ ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ " .
[10/5] قَوْلُهُ : ( كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ - بَابُ سُنَّةِ الْأُضْحِيَّةِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ ، وَلِغَيْرِهِمَا سُنَّةُ الْأَضَاحِيِّ ، وَهُوَ جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَيَجُوزُ حَذْفُ الْهَمْزَةِ فَتُفْتَحُ الضَّادُ وَالْجَمْعُ ضَحَايَا ، وَهِيَ أَضْحَاةٌ ، وَالْجَمْعُ أَضْحًى وَبِهِ سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَكَأَنَّ تَسْمِيَتَهَا اشْتُقَّتْ مِنَ اسْمِ الْوَقْتِ الَّذِي تُشْرَعُ فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالسُّنَّةِ إِشَارَةً إِلَى مُخَالَفَةِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَصَحَّ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَنِ الْجُمْهُورِ ، وَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهَا مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ ، وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ الْمُوسِرِ ، وَعَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ فِي رِوَايَةٍ لَكِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْمُقِيمِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ مِثْلُهُ ، وَخَالَفَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَوَافَقَا الْجُمْهُورَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يُكْرَهُ تَرْكُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَعَنْهُ وَاجِبَةٌ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ هِيَ سُنَّةٌ غَيْرُ مُرَخَّصٍ فِي تَرْكِهَا ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَبِهِ نَأْخُذُ ، وَلَيْسَ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا اهـ . وَأَقْرَبُ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ لِلْوُجُوبِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : " مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا " أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَحْمَدُ وَرِجَالُهُ [10/6] ثِقَاتٌ ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَالْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْإِيجَابِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عُمَرَ : هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ ) وَصَلَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مُحَسَّنًا مِنْ طَرِيقِ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ : أَهِيَ وَاجِبَةٌ ؟ فَقَالَ : ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَوْنِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ فِي الْجَوَابِ نَعَمْ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالْوُجُوبِ ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَالْمُسْلِمُونَ " إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْخَصَائِصِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حَرِيصًا عَلَى اتِّبَاعِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ رَفَعَهُ " عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أُضْحِيَّةٌ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ ، وَقَدْ ذَكَرَ مَعَهَا الْعَتِيرَةَ ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ " وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَذَهَلَ ، وَقَدِ اسْتُوعِبَتْ طُرُقُهُ وَرِجَالُهُ فِي " الْخَصَائِصِ " مِنْ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنَ الْمَبَاحِثِ فِي وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ بَعْدَ أَبْوَابٍ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ ، وَأَنَسٍ فِي أَمْرِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ بِالْإِعَادَةِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُمَا مُسْتَوْفًى بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ " وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي " بِحَذْفِ " أَنْ " وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكِرْمَانِيِّ فَقَالَ : هُوَ مِثْلُ " تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ " وَهُوَ عَلَى تَنْزِيلِ الْفِعْلِ مَنْزِلَةَ الْمَصْدَرِ ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ هُنَا فِي الْحَدِيثَيْنِ مَعًا الطَّرِيقَةُ لَا السُّنَّةُ بِالِاصْطِلَاحِ الَّتِي تُقَابِلُ الْوُجُوبَ ، وَالطَّرِيقَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ ، فَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ بَقِيَ النَّدْبُ وَهُوَ وَجْهُ إِيرَادِهَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِوُقُوعِ الْأَمْرِ فِيها بِالْإِعَادَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ شَرْطِ الْأُضْحِيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ صَلَّى رَاتِبَةَ الضُّحَى مَثَلًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ : إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَعِدْ صَلَاتَكَ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : " وَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ " النُّسُكُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الذَّبِيحَةُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الدِّمَاءِ الْمُرَاقَةِ ، وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ وَهُوَ أَعَمُّ يُقَالُ فُلَانٌ نَاسِكٌ أَيْ عَابِدٌ ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ وَبِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى : " مَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا نُسُكَ لَهُ " أَيْ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا ذَبْحَ لَهُ ، أَيْ لَا يَقَعُ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ " وَقَالَ مُطَرِّفٌ " يَعْنِي ابْنَ طَرِيفٍ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَزْنُ عَظِيمٍ ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مُطَرِّفٍ مَوْصُولَةً فِي الْعِيدَيْنِ وَتَأْتِي أَيْضًا بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ .
|