|
6 - بَاب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنْ الرِّيحِ 5652 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ، أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : إِنِّي أُصْرَعُ ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي . قَالَ : إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ . فَقَالَتْ : أَصْبِرُ ، فَقَالَتْ : إِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ . فَدَعَا لَهَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ ، تِلْكَ المْرَأَةً الطَوِيلَةً السَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ ) انْحِبَاسُ الرِّيحِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلصَّرْعِ ، وَهِيَ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْأَعْضَاءَ الرَّئِيسَةَ عَنِ انْفِعَالِهَا مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ ، وَسَبَبُهُ رِيحٌ غَلِيظَةٌ تَنْحَبِسُ فِي مَنَافِذِ الدِّمَاغِ ، أَوْ بُخَارٌ رَدِيءٌ يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ، وَقَدْ يَتْبَعُهُ تَشَنُّجٌ فِي الْأَعْضَاءِ فَلَا يَبْقَى الشَّخْصُ مَعَهُ مُنْتَصِبًا بَلْ يَسْقُطُ وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ لِغِلَظِ الرُّطُوبَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّرْعُ مِنَ الْجِنِّ ، وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنَ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ مِنْهُمْ ، إِمَّا لِاسْتِحْسَانِ بَعْضِ الصُّوَرِ الْإِنْسِيَّةِ وَإِمَّا لِإِيقَاعِ الْأَذِيَّةِ بِهِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُهُ جَمِيعُ الْأَطِبَّاءِ وَيَذْكُرُونَ عِلَاجَهُ ، وَالثَّانِي يَجْحَدُهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ، وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُهُ وَلَا يَعْرِفُ لَهُ عِلَاجًا إِلَّا بِمُقَاوَمَةِ الْأَرْوَاحِ الْخَيِّرَةِ الْعُلْوِيَّةِ لِتَنْدَفِعَ آثَارُ الْأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ السُّفْلِيَّةِ وَتَبْطُلُ أَفْعَالُهَا . وَمِمَّنْ نَصَّ منهم عَلَى ذَلِكَ أَبُقْرَاطُ ، فَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ عِلَاجَ الْمَصْرُوعِ : هَذَا إِنَّمَا يَنْفَعُ فِي الَّذِي سَبَبُهُ أَخْلَاطٌ ، وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَرْوَاحِ فَلَا . قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْقَصِيرِ ، وَاسْمُ أَبِيهِ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ . قَوْلُهُ : ( أَلَا أُرِيكَ ) أَلَا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ قَبْلَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ . قَوْلُهُ : ( هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي " كِتَابِ الصَّحَابَةِ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى فِي " الذَّيْلِ " مِنْ طَرِيقِهِ ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " فَأَرَانِي حَبَشِيَّةً صَفْرَاءَ عَظِيمَةً فَقَالَ : هَذِهِ سُعَيْرَةُ الْأَسَدِيَّةُ " . قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ إِنَّ بِي هَذِهِ الْمُؤْتَةَ ) وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ : الْجُنُونُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ : " إِنَّ بِي هَذِهِ الْمُؤْتَةَ يَعْنِي الْجُنُونَ " وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْمَعُ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ وَاللِّيفَ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهَا كُبَّةٌ عَظِيمَةٌ نَقَضَتْهَا فَنَزَلَ فِيهَا : وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا الْآيَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النَّحْلِ أَنَّهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى . [10/120] قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ ) بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّكَشُّفِ ، وَبِالنُّونِ السَّاكِنَةِ مُخَفَّفًا مِنَ الِانْكِشَافِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تَظْهَرَ عَوْرَتُهَا وَهِيَ لَا تَشْعُرُ . قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) هُوَ ابْنُ سَلَامٍ وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " ، وَمَخْلَدٌ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الْفَاءِ . قَوْلُهُ : ( تِلْكَ الْمَرْأَةُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " تِلْكَ امْرَأَةٌ " . قَوْلُهُ : ( عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ جَالِسَةٌ عَلَيْهَا مُعْتَمِدَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ " رَأَى " . ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " لِلْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا السَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا بِعَيْنِهِ وَقَالَ " عَلَى سُلَّمِ الْكَعْبَةِ " فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ : " إِنِّي أَخَافُ الْخَبِيثَ أَنْ يُجَرِّدَنِي ، فَدَعَا لَهَا فَكَانَتْ إِذَا خَشِيَتْ أَنْ يَأْتِيَهَا تَأْتِي أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِهَا " وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " الِاسْتِيعَابِ " مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْتَى بِالْمَجَانِينِ فَيَضْرِبُ صَدْرَ أَحَدِهِمْ فَيَبْرَأُ ، فَأُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ زُفَرَ ، فَضَرَبَ صَدْرَهَا فَلَمْ تَبْرَأْ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ " فَذَكَرَ كَالَّذِي هُنَا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي " الْمَعْرِفَةِ " مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ طَاوُسٍ فَزَادَ " وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهَا خَيْرًا " وَزَادَ فِي آخره " فَقَالَ : إِنْ يَتْبَعْهَا فِي الدُّنْيَا فَلَهَا فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ " وَعُرِفَ مِمَّا أَوْرَدْتُهُ أَنَّ اسْمَهَا سُعَيْرَةُ وَهِيَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ بِقَافٍ بَدَلَ الْعَيْنِ ، وَفِي أُخْرَى لِلْمُسْتَغْفِرِيِّ بِالْكَافِ ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الْغَنِيِّ فِي " الْمُبْهَمَاتِ " مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ مَاشِطَةُ خَدِيجَةَ الَّتِي كَانَتْ تَتَعَاهَدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالزِّيَارَةِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَوْرَدَتْهَا أَنَّ الَّذِي كَانَ بِأُمِّ زُفَرَ كَانَ مِنْ صَرْعِ الْجِنِّ لَا مِنْ صَرْعِ الْخَلْطِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا وَلَفْظُهُ " جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِهَا لَمَمٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتِ : ادْعُ اللَّهَ . فَقَالَ : إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكِ وَإِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ . قَالَتْ : بَلْ أَصْبِرُ وَلَا حِسَابَ عَلَيَّ . وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ مَنْ يُصْرَعُ ، وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى بَلَايَا الدُّنْيَا يُورِثُ الْجَنَّةَ ، وَأَنَّ الْأَخْذَ بِالشِّدَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الطَّاقَةَ وَلَمْ يَضْعُفْ عَنِ الْتِزَامِ الشِّدَّةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ التَّدَاوِي ، وَفِيهِ أَنَّ عِلَاجَ الْأَمْرَاضِ كُلَّهَا بِالدُّعَاءِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ أَنْجَعُ وَأَنْفَعُ مِنَ الْعِلَاجِ بِالْعَقَاقِيرِ ، وَأَنَّ تَأْثِيرَ ذَلِكَ وَانْفِعَالَ الْبَدَنِ عَنْهُ أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْجَعُ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْعَلِيلِ وَهُوَ صِدْقُ الْقَصْدِ ، وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَاوِي وَهُوَ قُوَّةُ تَوَجُّهِهِ وَقُوَّةُ قَلْبِهِ بِالتَّقْوَى وَالتَّوَكُّلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
|