فتح الباري لابن حجر
43 - بَاب الطِّيَرَةِ
5753 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ .
قَوْلُهُ ( بَابُ الطِّيَرَةِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ ، هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشِّينِ ، وَهُوَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ مِثْلُ تَحَيَّرَ حِيرَةً . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : لَمْ يَجِئْ مِنَ الْمَصَادِرِ هَكَذَا غَيْرُ هَاتَيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ سَمِعَ طِيَبَةً ، وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمُ التِّوَلَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَأَصْلُ التَّطَيُّرِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الطَّيْرِ ، فَإِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِأَمْرٍ فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ يَمْنَةً تَيَمَّنَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ ، وَإِنْ رَآهُ طَارَ يَسْرَةً تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ ، وَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يُهَيِّجُ الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُهَا ، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السَّانِحَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَالْبَارِحُ بِمُوَحَّدَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، فَالسَّانِحِ مَا وَلَّاكَ مَيَامِنَهُ ، بِأَنْ يَمُرَّ عَنْ يَسَارِكَ إِلَى يَمِينِكَ ، وَالْبَارِحُ بِالْعَكْسِ . وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْبَارِحِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِفَ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنُوحِ الطَّيْرِ وَبِرُوحِهَا مَا يَقْتَضِي مَا اعْتَقَدُوهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَكَلُّفٌ بِتَعَاطِي مَا لَا أَصْلَ لَهُ ، إِذْ لَا نُطْقَ لِلطَّيْرِ وَلَا تَمْيِيزَ ؛ فَيُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِ عَلَى مَضْمُونِ مَعْنًى فِيهِ ، وَطَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ يُنْكِرُ التَّطَيُّرَ وَيَتَمَدَّحُ بِتَرْكِهِ ، قَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ :
وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا
أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ
فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَامِنِ
وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمِ
وَقَالَ آخَرُ :
الزُّجَّرُ وَالطُّيَّرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ
مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ
وَقَالَ آخَرُ :
[10/224]
وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تَدْنِي مِنَ الْفَتَى
نَجَاحًا ، وَلَا عَنْ رَيْثِهِنَّ قُصُورُ
وَقَالَ آخَرُ :
لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى
وَلَا زَاجَرَتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ
وَقَالَ آخَرُ :
تَخَيَّرَ طِيَرَةً فِيهَا زِيَادُ
لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ
تَعَلَّمْ إِنَّهُ لَا طِيرَ إِلَّا
عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ
بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ
أَحَايِينَا ، وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ
وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَتَطَيَّرُونَ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَصِحُّ مَعَهُمْ غَالِبًا ؛ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ ذَلِكَ ، وَبَقِيَتْ مِنْ ذَلِكَ بَقَايَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ : " لَا طِيَرَةَ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ " ،
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "
ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ ، وَالظَّنُّ ، وَالْحَسَدُ . فَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ
" ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الشُّعَبِ " ،
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : "
إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا
" ،
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ : "
لَنْ يَنَالَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مَنْ تَكَهَّنَ ، أَوِ اسْتَقْسَمَ ، أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا
" وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ ،
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ،
وَالتِّرْمِذِيُّ
وَصَحَّحَهُ هُوَ
وَابْنُ حِبَّانَ
، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : "
الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ، وَمَا مِنَّا إِلَّا تَطَيَّرَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ
"
، وَقَوْلُهُ : " وَمَا مِنَّا إِلَّا " مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شِرْكًا لِاعْتِقَادِهِمُ أَنَّ ذَلِكَ يَجْلِبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضُرًّا ، فَكَأَنَّهُمُ أَشْرَكُوهُ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَقَوْلُهُ : " وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَسَلَّمَ لِلَّهِ وَلَمْ يَعْبَأْ بِالطِّيَرَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الشُّعَبِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا " مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " .
قَوْلُهُ : ( لَا عَدْوَى ، وَلَا طِيَرَةَ ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي سِيَاقِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَالتَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَنَفَى أَوَّلًا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ كَمَا نَفَى الْعَدْوَى ، ثُمَّ أَثْبَتَ الشُّؤْمَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : " وَإِنْ كَانَتِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ " ، الْحَدِيثَ .