بَابُ التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، نا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَزَلَ بِضَجْنَانَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَأَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى : [1/411] أَنْ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ قَالَ أَيُّوبُ وَحَدَّثَ نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ مَطِيرَةٌ أَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى : الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ .


بَاب التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ
( نَزَلَ بِضَجْنَانَ ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدهَما نُونٌ ، وَبَعْدَ أَلِفٍ نُونٌ آخَرُ ، وَهُوَ جَبَلٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا . كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ( فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ " وَفِي أُخْرَى لَهُ : " إِذَا كَانَتْ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ " وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ : " لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ وَذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ " ، وَفِيهِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عُذِرَ فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرِّيحَ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ فَقَطْ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الثَّلَاثَةِ بِاللَّيْلِ . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ ، وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُلَيْحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا فَرَخَّصَ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ [1/411] الْآتِي فِي الْبَابِ " فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ " قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّرْخِيصَ لِعُذْرِ الرِّيحِ فِي النَّهَارِ صَرِيحًا ( أَنِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ يَعْنِي أَثَرَ الْأَذَانِ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ : " فِي آخِرِ نِدَائِهِ " قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي آخِرِهِ قُبَيْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ ؛ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ ، وَحَمَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ الْحَيْعَلَةِ ، نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ : هَلُمُّوا إِلَيْهَا ، وَمَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَجِيءِ ، فَلَا يُنَاسِبُ إِيرَادُ اللَّفْظَيْنِ مَعًا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَقِيضُ الْآخَرِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ رُخْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ ، وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ نَدْبٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْفَضِيلَةَ وَلَوْ يحملِ الْمَشَقَّةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَمُطِرْنَا فَقَالَ : لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ . وَالرِّحَالُ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الرَّحْلُ الْمَنْزِلُ ، وَجَمْعُهُ رِحَالٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : وَالصَّلَاةُ فِي الرَّحْلِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا لَكِنَّهَا مَظِنَّةُ الِانْفِرَادِ ، وَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ إِيقَاعُهَا فِي الْمَسْجِدِ .