بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَقَالَ : إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وهُوَ مُرْسَلٌ [1/422] مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، وَأَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ .


بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ تَجُوزُ ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ ( قَبْلَ الزَّوَالِ ) وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ .
( إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ تُوقَدُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ : تُسْجَرُ جَهَنَّمُ وَبَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَكْثَرُهَا يَنْفَرِدُ الشَّارِعُ بِمَعَانِيهَا ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهَا ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِصِحَّتِهَا ، وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهَا . كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) فَإِنَّهَا لَا تُسْجَرُ ، فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ ( هُوَ مُرْسَلٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَبُو الْخَلِيلِ صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ضُبَعِيٌّ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ " .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ " ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ أَبِي قَتَادَةَ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : هَذَا [1/422] مُرْسَلٌ . أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ ، وَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ فِي إِسْنَادِهِمَا مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَكِنَّهَا إِذَا انْضَمَّتْ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ أَخَذَتْ بَعْضَ الْقُوَّةِ
. وَرُوِّينَا الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَمَكْحُولٍ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ فِي خَصَائِصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ : الْحَادِي عَشَرَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقْتَ الزَّوَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا ابْنِ تَيْمِيَّةَ .
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُوَ مُرْسَلٌ ، وَالْمُرْسَلُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ عَمَلٌ وَعَضَّدَهُ قِيَاسٌ أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، أَوْ كَانَ مُرْسَلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشُّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عُمِلَ بِهِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .
قَالَ صَاحِبُ الْإِمَامِ : وَقَوَّى الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ : وَمَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْفَضْلِ إِلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الصُّنَابِحِيِّ ، وَلَفْظُهُ : ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا ، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا ، وَفِي آخِرِهِ : وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ . فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ، وَإِمَّا أَنَّهُ رَدَّهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ . وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . انْتَهَى كَذَا فِي إِعْلَامِ أَهْلِ الْعَصْرِ . وَأَمَّا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْكِلَابِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ السُّلَمِيِّ قَالَ : " شَهِدْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ انْتَصَفَ النَّهَارُ ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ " قَالَ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي : الْحَدِيثُ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَنْدَانَ ، وَقِيلَ : سِيدَانَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ : مَجْهُولٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : شِبْهُ الْمَجْهُولِ .
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سِيدَانَ ، فَإِنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ
. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : " صَلَّى بِنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَقَالَ : " خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ " وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ . قَالَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : " صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى " وَسَعِيدٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الضُّعَفَاءِ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ فَأَحْيَانًا نَجِدُ فَيْئًا وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُ . كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ . انْتَهَى .
وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ، فَجَوَّزَا مَا قَبْلَ الزَّوَالِ . انْتَهَى . وَقَدْ أَغْرَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَجْزَأَ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَدَ . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ فِي غُنْيَةِ الطَّالِبِينَ : وَوَقْتُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدِ . انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ ثَابِتَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ غَيْرُ مُحْتَمِلَةِ التَّأْوِيلِ وَقَوِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ ، وَأَمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ فَجَائِزٌ أَيْضًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .