5841 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تُبَاعُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ابْتَعْتَهَا تَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ وَالْجُمُعَةِ . قَالَ : إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةَ سِيَرَاءَ حَرِيرا كَسَاهَا إِيَّاهُ فَقَالَ عُمَرُ : كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ . فَقَالَ : إِنَّمَا بَعَثْتُ بها إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا .


الْحَدِيثُ الثَّانِي ، قَوْلُهُ : ( جُوَيْرِيَةُ ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مُصَغَّر وَبَعْدَ الرَّاءِ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ .
[10/311] قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُمَرَ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ ) هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ نَافِعٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ " رَأَى حُلَّةً " فَجَعَلَهُ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ . وَسِيَرَاءُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَتَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ " أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السُّوقِ فَرَأَى الْحُلَّةَ " وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، لِأَنَّ طَرَفَ السُّوقِ كَانَ يَصِلُ إِلَى قُرْبِ بَابِ الْمَسْجِدِ .
قَوْلُهُ : ( تُبَاعُ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " رَأَى عُمَرُ ، عُطَارِدًا التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ حُلَّةً بِالسُّوقِ ، وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ " أَنَّ عُطَارِدَ بْنَ حَاجِبٍ جَاءَ بِثَوْبٍ مِنْ دِيبَاجٍ كَسَاهُ إِيَّاهُ كِسْرَى ، فَقَالَ عُمَرُ : أَلَا أَشْتَرِيهِ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ " ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ عُطَارِدٍ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَ دِيبَاجٍ كَسَاهُ إِيَّاهُ كِسْرَى ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عُطَارِدًا لَمَّا أَقَامَهُ فِي السُّوقِ لِيُبَاعَ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ بَيْعُهُ فَأَهْدَاهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَعُطَارِدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَدَسٍ بِمُهْمَلَاتٍ الدَّارِمِيُّ يُكَنَّى أَبَا عِكْرِشَةَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ أَصْحَابِ الْحُجُرَاتِ ، وَقَدْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صَدَقَاتِ قَوْمِهِ ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي تَمِيمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقِصَّتُهُ مَعَ كِسْرَى فِي رَهْنِهِ قَوْسَهُ عِوَضًا عَنْ جَمْعِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ عِنْدَ كِسْرَى مَشْهُورَةٌ حَتَّى ضُرِبَ الْمَثَلُ بِقَوْسِ حَاجِبٍ .
قَوْلُهُ : ( لَوِ ابْتَعْتَهَا فَلَبِسْتَهَا ) فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ " ابْتَعْ هَذِهِ فَتَجَمَّلْ بِهَا " وَكَانَ عُمَرُ أَشَارَ بِشِرَائِهَا وَتَمَنَّاهُ .
قَوْلُهُ : ( لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ " لِوُفُودِ الْعَرَبِ " وَكَأَنَّهُ خَصَّهُ بِالْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذْ ذَاكَ الْوُفُودَ فِي الْغَالِبِ ، لِأَنَّ مَكَّةَ لَمَّا فُتِحَتْ بَادَرَ الْعَرَبُ بِإِسْلَامِهِمْ فَكَانَ كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرْسِلُ كُبَرَاءَهَا لِيُسْلِمُوا وَيَتَعَلَّمُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُعَلِّمُوهُمْ .
قَوْلُهُ ( وَالْجُمُعَةُ ) فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ " الْعِيدُ " بَدَلَ " الْجُمُعَةِ " وَجَمَعَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ مَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَتَانِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ " فَتَجَمَّلْ بِهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ إِذَا أَتَوْكَ ، وَإِذَا خَطَبْتَ النَّاسَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَغَيْرِهِ " .
قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ .
قَوْلُهُ : ( مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ ) زَادَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ فِي الْآخِرَةِ . وَالْخَلَاقُ النَّصِيبُ وَقِيلَ : الْحَظُّ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْحُرْمَةِ وَعَلَى الدِّينِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَيْ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عُمَرَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْ " بَابِ لُبْسِ الْحَرِيرِ " مَا يُؤَيِّدُهُ وَلَفْظُهُ لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ شَيْءٌ .
قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةً سِيَرَاءَ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، " بِحُلَّةٍ سِيَرَاءَ مِنْ حَرِيرٍ " وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ السِّيَرَاءَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَرِيرٍ .
قَوْلُهُ : ( كَسَاهَا إِيَّاهُ ) كَذَا أُطْلِقَ ، وَهِيَ بِاعْتِبَارِ مَا فَهِمَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ [10/312] لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِ بِهَا لِيَلْبَسَهَا ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَسَاهُ أَعْطَاهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِسْوَةً ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْجُمُعَةِ " ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً " وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ " فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحُلَّةٍ وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً " وَعُرِفَ بِهَذَا جِهَةُ الْحُلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ " فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحْمِلُهَا فَقَالَ : بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ وَقَدْ قُلْتَ بِالْأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ " وَالْمُرَادُ بِالْأَمْسِ هُنَا يَحْتَمِلُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَوْ مَا قَبْلَهَا بِحَسَبِ مَا اتَّفَقَ مِنْ وُصُولِ الْحُلَلِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قِصَّةِ حُلَّةِ عُطَارِدٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ " فَخَرَجْتُ فَزِعًا فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُ بِهَا إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ " .
قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ لِتُصِيبَ بِهَا وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ كَمَا مَضَى فِي الْعِيدَيْنِ تَبِيعَهَا وَتُصِيبَ بِهَا حَاجَتَكَ وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَالِمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا وَزَادَ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا " زَادَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ " أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ " وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ " قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَا الْأَخِ إِلَّا فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي " الْمُبْهَمَاتِ " نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْحَذَّاءِ فِي رِجَالِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ : اسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ : هُوَ السُّلَمِيُّ أَخُو خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ ، قَالَ : وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ . فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخُو عُمَرَ لِأُمِّهِ لَمْ يُصِبْ . قُلْتُ : بَلْ لَهُ وَجْهٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ارْتَضَعَ مِنْ أُمِّ أَخِيهِ زَيْدٍ فَيَكُونُ عُثْمَانُ أَخَا عُمَرَ لِأُمِّهِ مِنَ الرَّضَاعِ وَأَخَا زَيْدٍ لِأُمِّهِ مِنَ النَّسَبِ . وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ وَالِدَةَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ هِيَ أُمُّ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ ، فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ فَقَدْ فَاتَهُمْ ، فَلْيُسْتَدْرَكْ ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ كَافِرًا وَكَانَ قَوْلُهُ : " قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ " لَا مَفْهُومَ لَهُ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْبَعْثَ إِلَيْهِ كَانَ فِي حَالِ كُفْرِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ ، فَلْتُعَدُّ بِنْتُهُ فِي الصَّحَابَةِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَوَّلُهُ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي قَبَاءِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ فَقَالَ : نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ " كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ زِيَادَةً عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَهِيَ " فَأَعْطَاهُ لِعُمَرَ ، فَقَالَ : لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ بَلْ لِتَبِيعَهُ ، فَبَاعَهُ عُمَرُ " وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بَاعَهُ بِإِذْنِ أَخِيهِ بَعْدَ أَنْ أَهْدَاهُ لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي " بَابُ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ " يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِعُمَرَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا لِأَنَّ الْحَرِيرَ إِذَا كَانَ لُبْسُهُ مُحَرَّمًا عَلَى الرِّجَالِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ فَيَنْحَصِرُ الْإِذْنُ فِي النِّسَاءِ ، وَأَمَّا كَوْنُ عُمَرَ كَسَاهَا أَخَاهُ فَلَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ وَيَكُونُ أَهْدَى عُمَرُ الْحُلَّةَ لِأَخِيهِ لِيَبِيعَهَا أَوْ يَكْسُوَهَا امْرَأَةً ، وَيُمْكِنُ مَنْ يَرَى أَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِالتَّمَسُّكِ بِدُخُولِ النِّسَاءِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ أَوْ يَكْسُوَهَا أَيْ إِمَّا لِلْمَرْأَةِ أَوْ لِلْكَافِرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ : إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أَيْ مِنَ الرِّجَالِ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورَةِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : " أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُطَارِدٍ حُلَّةً فَكَرِهَهَا لَهُ ثُمَّ إِنَّهُ كَسَاهَا عُمَرَ مِثْلَهُ " الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا [10/313] لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتُلْبِسَهَا النِّسَاءَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْحَرِيرَ الصِّرْفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُلَّةَ السِّيَرَاءَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مِنْ حَرِيرٍ صِرْفٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَقُولُونَ : هِيَ الَّتِي يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ . ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَفِيهِ " حُلَّةٌ مِنْ حَرِيرٍ " وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : دَلَّتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْحُلَّةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ مَحْضٍ ، ثُمَّ ذُكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي مَرَرْتُ بِعُطَارِدٍ يَعْرِضُ حُلَّةَ حَرِيرٍ لِلْبَيْعِ " الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَالطَّبَرِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ . قُلْتُ : وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ " حُلَّةَ حَرِيرٍ أَوْ سِيَرَاءَ " ، وَفِي الْعِيدَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ " حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ " وَقَدْ فُسِّرَ الْاسْتبْرَاقُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى بِأَنَّهُ مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : " سَأَلَنِي سَالِمٌ عَنِ الْإِسْتَبْرَقِ فَقُلْتُ : مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ " حُلَّةً مِنْ سُنْدُسٍ " قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْحُلَّةَ كَانَتْ حَرِيرًا مَحْضًا قُلْتُ : الَّذِي يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّيَرَاءَ قَدْ تَكُونُ حَرِيرًا صِرْفًا وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ مَحْضٍ ، فَالَّتِي فِي قِصَّةِ عُمَرَ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ مَحْضٍ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ ، وَالَّتِي فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ لَمْ تَكُنْ حَرِيرًا صِرْفًا لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَاخِتَةَ ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : " أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُلَّةٌ مُسَيَّرَةٌ بِحَرِيرٍ إِمَّا سُدَاهَا أَوْ لُحْمَتُهَا . فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ : مَا أَصْنَعُ بِهَا ، أَلْبَسُهَا ؟ قَالَ : لَا أَرْضَى لَكَ إِلَّا مَا أَرْضَى لِنَفْسِي ، وَلَكِنِ اجْعَلْهَا خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ " وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ هُبَيْرَةَ فَقَالَ فِيهِ : " حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ " وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي فَاخِتَةَ وَهُوَ بِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عِلَاقَةَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ثُمَّ قَافٍ ، ثِقَةٌ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ وَعِيدٌ عَلَى لُبْسِهَا كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ ، بَلْ فِيهِ لَا أَرْضَى لَكَ إِلَّا مَا أَرْضَى لِنَفْسِي وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَرْكَ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ أَوْلَى مِنْ لُبْسِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .