حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا مِسْعَرٌ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَوَاكِي فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا ، مَرِيئًا ، مَرِيعًا ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ قَالَ : فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ .

( أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَوَاكِي ) : جَمْعُ بَاكِيَةٍ ؛ أَيْ جَاءَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُفُوسٌ بَاكِيَةٌ ، أَوْ نِسَاءٌ بَاكِيَاتٌ لِانْقِطَاعِ الْمَطَرِ عَنْهُمْ مُلْتَجِئَةً إِلَيْهِ ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا ، وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا شَاهَدْنَاهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ : " رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَاكِي " بِضَمِّ الْيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا انْتَهَى .
قُلْتُ : الْمُوَاكَاةُ وَالتَّوَكُّؤُ وَالِاتِّكَاءُ الاعتماد وَالتَّحَامُلُ عَلَى الشَّيْءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : مَعْنَاهُ التَّحَامُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا رَفَعَهُمَا وَمَدَّهُمَا فِي الدُّعَاءِ ، وَمِنْ هَذَا التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا وَهُوَ التَّحَامُلُ عَلَيْهَا انْتَهَى .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ يَتَحَامَلُ عَلَى يَدَيْهِ أَيْ يَرْفَعُهُمَا وَيَمُدُّهُمَا فِي الدُّعَاءِ ، وَمِنْهُ التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا وَهُوَ التَّحَامُلُ عَلَيْهَا انْتَهَى .
وَقَدْ أَخَذَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ أَيْضًا .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ بَعْضُهُمْ : وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَلِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَجْهٌ انْتَهَى . وَرَجَّحَ السِّنْدِيُّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ ، وَبَالَغَ فِي رَدِّ غَيْرِهَا وَلَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ وَالْمُنْذِرِيِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ الْخَطَّابِيُّ لَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ وَلَا انْحَصَرَ الصَّوَابُ فِيهِ ؛ بَلْ لَيْسَ هُوَ وَاضِحُ الْمَعْنَى .
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : " أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَوَازِلُ بَدَلَ بَوَاكِي " انْتَهَى . قُلْتُ : عَلَى رِوَايَةِ الْخَطَّابِيِّ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ بِالْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . ( اسْقِنَا ) : بِالْوَصْلِ وَالْقَطْعِ ( غَيْثًا ) : أَيْ مَطَرًا ( مُغِيثًا ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ مُعِينًا مِنَ الْإِغَاثَةِ بِمَعْنَى الْإِعَانَةِ ( مَرِيئًا ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ ، وَيَجُوزُ إِدْغَامُهُ أَيْ هَنِيئًا مَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ لَا ضَرَرَ فِيهِ مِنَ الْغَرَقِ وَالْهَدْمِ ( مَرِيعًا ) : يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ بِالْيَاءِ وَالْبَاءِ ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ جَعَلَهُ مِنَ الْمَرَاعَةِ وَهُوَ الْخِصْبُ يُقَالُ : مِنْهُ أَمْرَعَ الْمَكَانُ إِذَا أَخْصَبَ ، وَمَنْ رَوَاهُ مَرْبَعًا كَانَ مَعْنَاهُ مَنْبَتًا لِلرَّبِيعِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .
وَفِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ مَرِيعًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِضَمٍّ أَيْ كَثِيرًا . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَا مَرَاعَةٍ وَخِصْبٍ ، وَيُرْوَى مُرْبِعًا بِالْبَاءِ بِضَمِّ الْمِيمِ ؛ أَيْ مُنْبِتًا لِلرَّبِيعِ ، وَيُرْوَى مَرْتَعًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّاءِ ؛ أَيْ يَنْبُتُ بِهِ مَا يَرْتَعُ الْإِبِلَ وَكُلُّ خِصْبٍ مَرْتَعٌ ، وَمِنْهُ يَرْتَعُ وَيَلْعَبُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ، ( فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ ) : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ ، وَقِيلَ بِالْمَفْعُولِ ، يُقَالُ : أَطْبَقَ إِذَا جعلَ الطَّبَقَ عَلَى رَأْسِ شَيْءٍ وَغَطَّاهُ بِهِ ؛ أَيْ جُعِلَتْ عَلَيْهِمُ السَّحَابُ كَطَبَقٍ ، قِيلَ : أَيْ ظَهَرَ السَّحَابُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَغَطَّاهُمُ السَّحَابُ كَطَبَقٍ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ السَّمَاءَ مِنْ تَرَاكُمِ السَّحَابِ وَعُمُومِهِ الْجَوَانِبَ ، وَقِيلَ : أَطْبَقَتْ بِالْمَطَرِ الدَّائِمِ ، يُقَالُ : أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْحُمَّى ؛ أَيْ دَامَتْ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ مَلَأْتُ ، وَالْغَيْثُ الْمُطْبَقُ هُوَ الْعَامُّ الْوَاسِعُ .