حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَّةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا ، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ ، [2/207] وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ ، أَوْ أُخْتُهُ

( أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ ) ؛ أَيْ تَزَوَّجَتْ ( عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ الْمَدِّ ، أَصْلُهُ الْعَطِيَّةُ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ بَالْحُلْوَانِ ؛ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَزِيزِيُّ . وَقَالَ فِي السُّبُلِ : الْحِبَاءُ الْعَطِيَّةُ لِلْغَيْرِ أَوْ لِلزَّوْجِ زَائِدًا عَلَى مَهْرِهَا ( أَوْ عِدَّةٌ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ .
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ " أَوْ هِبَةٌ " بَدَلُ " الْعِدَّةِ " .
( قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ ) ؛ أَيْ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ ( فَهُوَ لَهَا ) ؛ أَيْ مُخْتَصٌّ بِهَا دُونَ أَبِيهَا ؛ لِأَنَّهُ وُهِبَ لَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ لِأَبِيهَا مَا شُرِطَ وَلَيْسَ لِأَبِيهَا حَقٌّ فِيهِ إِلَّا بِرِضَاهَا . ( وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ ) ؛ أَيْ : وَمَا شُرِطَ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ [2/207] بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ حَقٌّ لِمَنْ أُعْطِيَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ . ( وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ ) بَالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( عَلَيْهِ الرَّجُلُ ) ؛ أَيْ لِأَجْلِهِ ، فَعَلَى لِلتَّعْلِيلِ . قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافٌ يَقْتَضِي الْحَضَّ عَلَى إِكْرَامِ الْوَلِيِّ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ . ( ابْنَتُهُ ) بَالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى حَذْفِ كَانَ ، وَالتَّقْدِيرُ : أَحَقُّ مَا أُكْرِمَ لِأَجْلِهِ الرِّجَلُ إِذَا كَانَتِ ابْنَتَهُ ( أَوْ أُخْتُهُ ) ظَاهِرُ الْعَطْفِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بَالْأَبِ ، بَلْ كُلُّ وَلِيٍّ كَذَلِكَ .
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَا يُذْكَرُ قَبْلَ الْعَقْدِ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَّةٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَذْكُورًا لِغَيْرِهَا ، وَمَا يُذْكَرُ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ جُعِلَ لَهُ سَوَاءً كَانَ وَلِيًّا أَوْ غَيْرَ وَلِيٍّ أَوِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَخٍ أَوْ أَبٍ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلى أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَهْرِ تَكُونُ فَاسِدَةً وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ ؛ كَذَا فِي النَّيْلِ وَالسُّبُلِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ : وَهَذَا مُأوَّلٌ عَلَى مَا يَشْتَرِطُهُ الْوَلِيُّ لِنَفْسِهِ سِوَى الْمَهْرِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِهِ ؛ فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنَّ لِأَبِيهَا كَذَا وَكَذَا شَيْئًا اتَّفَقَا عَلَيْهِ سِوَى الْمَهْرِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الْأَبِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ هُوَ لِلْأَبِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَبِ مَبْسُوطَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رَجُلًا فَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَالًا . وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رَجُلًا وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ يَجْعَلُهَا فِي الْحَجِّ وَالْمَسَاكِينِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَا شَيْءَ لِلْوَلِيِّ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْحُفَّاظِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ .