12 - باب مَنْ بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ
5985 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ " ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " .
5986 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : " أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ . وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " .


قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ لِصِلَةِ الرَّحِمِ ) أَيْ لِأَجْلِ صِلَةِ رَحِمِهِ .
قَوْلُهُ : ( مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ ) أَيِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ نَضْلَةَ - بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ - ابْنِ عَمْرٍو ، وَلِنَضْلَةَ جَدِّهِ الْأَعْلَى صُحْبَةٌ ، وَهُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ مُوَثَّقٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَذَا أَبُوهُ لَكِنْ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ أَوْ مَوْضِعَانِ .
قَوْلُهُ : ( سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ ) الْمَقْبُرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ " مَنْ أَحَبَّ " وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ الْأَهْلِ ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ " وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا " صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ يُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ " وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي " زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ " وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَحْوَ حَدِيثَيِ الْبَابِ قَالَ : " وَيَدْفَعُ عَنْهُ مِيتَةَ السُّوءِ " وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ " إِنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ يَزِيدُ اللَّهُ بِهِمَا الْعُمُرَ ، وَيَدْفَعُ بِهِمَا مِيتَةَ السُّوءِ " فَجَمَعَ الْأَمْرَيْنِ ، لَكِنْ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ . وَأَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظٍ " مَنِ اتَّقَى رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ نُسِئَ لَهُ فِي عُمُرِهِ ، وَثَرِيَ مَالُهُ ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُهُ " .
قَوْلُهُ : ( وَيُنْسَأُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، ثُمَّ هَمْزَةٌ أَيْ : يُؤَخَّرُ .
قَوْلُهُ : ( فِي أَثَرِهِ ) أَيْ فِي أَجَلِهِ ، وَسُمِّيَ الْأَجَلُ أَثَرًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمُرَ ، قَالَ زُهَيْرٌ :
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ
لَا يَنْقَضِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ

[10/430] وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مَشْيِهِ الْأَرْضِ ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ حَرَكَةٌ فَلَا يَبْقَى لِقَدَمِهِ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعَارِضُ قَوْلَهُ - تَعَالَى - : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ ، وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ . وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ . وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - . ثَانِيهمَا : أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمُرِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا : إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ ، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا . وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ ، فَالَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ ، وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ فَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ ، وَمَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ . وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ ، وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ . وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّ الْأَثَرَ مَا يَتْبَعُ الشَّيْءَ ، فَإِذَا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الذِّكْرِ الْحَسَنِ بَعْدَ فَقْدِ الْمَذْكُورِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ صَاحِبِ " الْفَائِقِ " قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُبْقِي أَثَرَ وَاصِلِ الرَّحِمِ فِي الدُّنْيَا طَوِيلًا فَلَا يَضْمَحِلُّ سَرِيعًا كَمَا يَضْمَحِلُّ أَثَرُ قَاطِعِ الرَّحِمِ . وَلَمَّا أَنْشَدَ أَبُو تَمَّامٍ قَوْلَهُ فِي بَعْضِ الْمَرَاثِي :
تُوُفِّيَتِ الْآمَالُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
وَأَصْبَحَ فِي شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ
قَالَ لَهُ أَبُو دُلَفٍ : لَمْ يَمُتْ مَنْ قِيلَ فِيهِ هَذَا الشِّعْرُ . وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ قَوْلُ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الصَّغِيرِ " بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : " ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ لَهُ فِي أَجَلِهِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ زِيَادَةً فِي عُمُرِهِ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ الْآيَةَ ; وَلَكِنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ . وَلَهُ فِي " الْكَبِيرِ " مِنْ حَدِيثِ أَي مُشَجِّعَةَ الْجُهَنِيِّ رَفَعَهُ " إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ ذُرِّيَّةٌ صَالِحَةٌ " الْحَدِيثَ . وَجَزَمَ ابْنُ فورَكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِزِيَادَةِ الْعُمُرِ نَفْيُ الْآفَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْبِرِّ فِي فَهْمِهِ وَعَقْلِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ فِي أَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي وُجُودِ الْبَرَكَةِ فِي رِزْقِهِ وَعِلْمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .