بَابُ نَذْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قال : نا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قال : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْلَةً [3/241] فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ


بَاب نَذَرَ الْجَاهِلِيَّةِ...إلخ
( إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيِ : الْحَالُ الَّتِي كُنْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَما أَسْلَمْتُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُوفِيَ بِنَذْرِي ( أَنْ أَعْتَكِفَ ) أَيِ الِاعْتِكَافَ ( فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ جِدَارٌ يُحَوِّطُ عَلَيْهَا . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( لَيْلَةً ) لَا يُعَارِضُهُ رِوَايَةُ " يَوْمًا " لِأَنَّ الْيَوْمَ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الزَّمَانِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا ، أَوْ أَنَّ النَّذْرَ كَانَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَلَكِنْ يُكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا [3/241] عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ ، فَرِوَايَةُ يَوْمٍ أَيْ بِلَيْلَتِهِ ، وَرِوَايَةُ لَيْلَةٍ أَيْ مَعَ يَوْمِهَا . فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ شَرَطَ الصَّوْمَ فِي الِاعْتِكَافِ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ ، ( أَوْفِ بِنَذْرِكَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : " فَاعْتَكِفْ " ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْكَافِرِ مَتَى أَسْلَمَ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ . وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ : لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ مِنَ الْكَافِرِ . وَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ تَبَرَّعَ بِفِعْلِ ذَلِكَ أَذِنَ لَهُ بِهِ ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ طَاعَةٌ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ مِنْ مُخَالَفَةِ الصَّوَابِ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا . وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَصْلُحُ لِمَنِ ادَّعَى عَدَمَ الِانْعِقَادِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا " أَنِ اعْتَكِفْ يَوْمًا " . انْتَهَى .