بَابُ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي الْقَضَاءِ
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ؟ قَالَ : أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَجْتَهِدُ برَأْيِي [3/331] وَلَا آلُو ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ


بَاب اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي الْقَضَاءِ
( لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ) : أَيْ وَالِيًا وَقَاضِيًا ( أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " رَأْيِي " بِحَذْفِ الْبَاءِ .
قَالَ الرَّاغِبُ : الْجَهْدُ وَالْجُهْدُ : الطَّاقَةُ وَالْمَشَقَّةُ وَالِاجْتِهَادُ أَخْذُ النَّفْسِ بِبَذْلِ الطَّاقَةِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ ، يُقَالُ : جَهَدْتُ رَأْيِي وَاجْتَهَدْتُ أَتْعَبْتُهُ بِالْفِكْرِ ، انْتَهَى .
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ " أَجْتَهِدُ رَأْيِي " الِاجْتِهَادُ : بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْأَمْرِ بِالْقِيَاسِ [3/331] عَلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ، انْتَهَى .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : يُرِيدُ الِاجْتِهَادَ فِي رَدِّ الْقَضِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَمْ يُرِدِ الرَّأْيَ الَّذِي يَسْنَحُ لَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أَوْ يَخْطِرُ بِبَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ . وَفِي هَذَا إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِيجَابُ الْحُكْمِ بِهِ انْتَهَى .
( وَلَا آلُو ) : بِمَدِّ الْهَمْزَةِ : مُتَكَلِّمٌ مِنْ آلَى يَأْلُو .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ لَا أُقَصِّرُ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَلَا أَتْرُكُ بُلُوغَ الْوُسْعِ فِيهِ ( فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ ) : أَيْ صَدْرَ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ صَدْرِي ، فَفِيهِ الْتِفَاتٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ الرَّاوِي عَنْ مُعَاذٍ ، نَقْلًا عَنْهُ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ الْجَوْزَقَانِيُّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ شُعْبَةَ . وَقَدْ تَصَفَّحْتُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَسَانِيدِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ ، وَسَأَلْتُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ عَنْهُ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا . وَالْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو هَذَا مَجْهُولٌ ، وَأَصْحَابُ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ لَا يُعْرَفُونَ ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَاطِبَةً أَوْرَدُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ .
قِيلَ : هَذَا طَرِيقُهُ وَالْخَلَفُ قَلَّدَ فِيهِ السَّلَفَ ، فَإِنْ أَظْهَرُوا طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا مِمَّا يَثْبُتُ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ رَجَعْنَا إِلَى قَوْلِهِمْ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُمُ ألْبَتَّةَ ، انْتَهَى
. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ .
وَقَالَ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ : الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ وَلَا يُعْرَفُ
. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَنِ الْحَارِثِ ، وَمَا رَوَى عَنِ الْحَارِثِ غَيْرُ أَبِي عَوْنٍ فَهُوَ مَجْهُولٌ . قُلْتُ : لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَهُ شَوَاهِدُ مَوْقُوفَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَقِبَ تَخْرِيجِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ تَقْوِيَةً لَهُ . كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ : الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو ابْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ عَنْ مُعَاذٍ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو عَوْنٍ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا مُرْسَلٌ .