بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أول كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ .
بَابٌ : تَحْرِيمِ الْخَمْرِ
[3/364] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا إسماعيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا أَبُو حَيَّانَ ، قال : حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : مِنْ الْعِنَبِ ، وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ، وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ : الْجَدُّ ، وَالْكَلَالَةُ ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا


أَوَّلُ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ
بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ
[3/364] ( قَالَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ) أَيْ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الْآيَةَ .
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ " إِلَخْ ( وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ) أَيِ : الْخَمْرُ .
وَفِي الْقَامُوسِ : قَدْ يُذَكَّرُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ : نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي حَالِ كَوْنِهَا تُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ( وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ) أَيْ : غَطَّاهُ أَوْ خَالَطَهُ فَلَمْ يَتْرُكْهُ عَلَى حَالِهِ ، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ . وَالْعَقْلُ هُوَ آلَةُ التَّمْيِيزِ ، فَلِذَلِكَ حُرِّمَ مَا غَطَّاهُ أَوْ غَيَّرَهُ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَزُولُ الْإِدْرَاكُ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ لِيَقُومُوا بِحُقُوقِهِ .
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَا تَعْرِيفٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَهُوَ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً .
قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عُمَرَ لَيْسَ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ اللُّغَةِ ، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْخَمْرُ الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمُهُ عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْخَمْرَ فِي اللُّغَةِ يَخْتَصُّ بِالْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ فَالِاعْتِبَارُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنَ الْمُتَّخَذِ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا ، وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ ( وَثَلَاثٌ ) أَيْ : ثَلَاثٌ مِنَ الْمَسَائِلِ ( وَدِدْتُ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ أَيْ : تَمَنَّيْتُ ( لَمْ يُفَارِقْنَا ) أَيْ : مِنَ الدُّنْيَا ( حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ ) أَيْ : يُبَيِّنَ لَنَا فِيهِنَّ بَيَانًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي فِيهِنَّ لِثَلَاثٍ ( الْجَدُّ ) أَيْ : هَلْ يَحْجُبُ الْأَخَ أَوْ يُحْجَبُ بِهِ أَوْ يُقَاسِمُهُ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ( وَالْكَلَالَةُ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ لَهُ أَوْ بَنُو الْعَمِّ الْأَبَاعِدُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ( وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا ) أَيْ : رِبَا الْفَضْلِ لِأَنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَرَفْعُ الْجَدِّ وَتَالِيَيْهِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أَيْ : هِيَ الْجَدُّ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .