بَابٌ : فِي أَكْلِ الطَّافِي مَنْ السَّمَكِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، قال : نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ ، قال : نا إسماعيل بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَلْقَى الْبَحْرُ ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ [3/422] سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَيُّوبُ وَحَمَّادٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، أَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ ، وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

36 - بَابٌ فِي أَكْلِ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ : الطَّافِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنْ طَفَا يَطْفُو إِذَا عَلَا عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَرْسُبْ ، وَالسَّمَكُ الطَّافِي هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْبَحْرِ بِلَا سَبَبٍ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
( مَا أَلْقَى الْبَحْرُ ) أَيْ : كُلُّ مَا قَذَفَهُ إِلَى السَّاحِلِ ( أَوْ جَزَرَ عَنْهُ ) بِجِيمٍ ثُمَّ زَايٍ أَيْ : انْكَشَفَ عَنْهُ الْمَاءُ وَذَهَبَ ، وَالْجَزْرُ رُجُوعُ الْمَاءِ خَلْفَهُ وَهُوَ ضِدُّ الْمَدِّ وَمِنْهُ الْجَزِيرَةُ .
وَالْمَعْنَى : وَمَا انْكَشَفَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ( وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا ) أَيِ : ارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ مَاتَ ( فَلَا تَأْكُلُوهُ ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى كَرَاهَةِ السَّمَكِ الطَّافِي .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ الطَّافِيَ مِنَ السَّمَكِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا الطَّافِيَ مِنَ السَّمَكِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَطَاوُسٌ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ انْتَهَى . قُلْتُ : يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ السَّمَكِ الطَّافِي حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ : " غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا فَأَلْقَى الْبَحْرُ [3/422] حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ " الْحَدِيثَ . وَفِي آخِرِهِ : " فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَكُمْ أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ ، فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ فَأَكَلَهُ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا مَاتَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاصْطِيَادِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ آخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ جِهَةَ كَوْنِهَا حَلَالًا لَيْسَتْ سَبَبَ الِاضْطِرَارِ بَلْ كَوْنُهَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِنْهَا وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ . قَالَ الْحَافِظُ : وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إِلَّا مَوْقُوفًا فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي حِلَّهُ ؛ لِأَنَّهُ سَمَكٌ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ لَأُكِلَ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ وَلَوْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ أَوْ قَتَلَتْهُ سَمَكَةٌ أُخْرَى فَمَاتَ لَأُكِلَ ، فَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ وَهُوَ فِي الْبَحْرِ انْتَهَى .
قُلْتُ : قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا بِلَفْظِ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : الطَّافِي حَلَالٌ وَوَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : السَّمَكَةُ الطَّافِيَةُ حَلَالٌ ( وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ ) أَيْ : رُوِيَ مَرْفُوعًا .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .