حدثنا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، نا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أُخْبِرْتُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكْشِفْ فَخِذَكَ ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ .

( أُخْبِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ : إِنَّ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٍ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ .
قَالَ : وَلَا يَثْبُتُ لِحَبِيبٍ رِوَايَةٌ عَنْ عَاصِمٍ . قَالَ الْحَافِظُ : فَهَذِهِ عِلَّةٌ أُخْرَى ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَنَّ حَبِيبًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَاصِمٍ ، وَإِنَّ بَيْنَهُمَا رَجُلًا لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَبَيَّنَ الْبَزَّارُ أَنَّ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا هُوَ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ ، وَوَقَعَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ وَمُسْنَدِ الْهَيْثَمِ بْنِ كُلَيْبٍ تَصْرِيحُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِخْبَارِ حَبِيبٍ لَهُ ، وَهُوَ وَهْمٌ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ
( لَا تَكْشِفْ فَخِذَكَ ) : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ : الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ فَقَطْ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ( وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْعَوْرَةِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ ) : قَالَ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْمَرْدُودِ : وَهُوَ مَا يَكُونُ بِسَبَبِ تُهْمَةِ الرَّاوِي بِالْكَذِبِ هُوَ الْمَتْرُوكُ ، وَالثَّالِثُ : الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ فِي الْمُنْكَرِ قَيْدَ الْمُخَالَفَةِ ، فَمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ ، أَوْ كَثُرَتْ غَفْلَتُهُ ، أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُ فَحَدِيثُهُ مُنْكَرٌ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ قَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فِي الصَّحِيحِ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَخِذُ عَوْرَةٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ زَاذَانُ ، وَقِيلَ : عِمْرَانُ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ جَرْهَدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ " وَأَشَارَ إِلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ ، فَقَالَ : يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنْهُ فَذَكَرَهُ ، قَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْحِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ أَبِي كَثِيرٍ ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ فِيهِ تَصْرِيحًا بِتَعْدِيلٍ
، انْتَهَى .
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ وَقَالَ : هِيَ السَّوْأَتَانِ فَقَطْ ، بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظٍ قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ . الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ جَلَسَ .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَالِسًا كَاشِفًا عَنْ فَخِذهِ فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَأَرْخَى عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، فَلَمَّا قَامُوا قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَأَذِنْتَ لَهُمَا وَأَنْتَ عَلَى حَالِكَ ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ أَرْخَيْتَ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ ، [4/72] فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ أَلَا أَسْتَحْيِ مِنْ رَجُلٍ - وَاللَّهِ - إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَحِي مِنْهُ . وَرَوَى أَحْمَدُ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ " دَخَلَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ تَجَلَّلَ بِثَوْبِهِ .
وَعَنْ أَنَسٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ . وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ : " وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ " وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمَسَّ بِدُونِ الْحَائِلِ ، وَمَسُّ الْعَوْرَة بِدُونِ حَائِل لَا يَجُوزُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .