بَابٌ : كيف الِاخْتِمَار
حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ . ( ح ) ونا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ وَهْبٍ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَخْتَمِرُ فَقَالَ : لَيَّةً لَا لَيَّتَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَيَّةً لَا لَيَّتَيْنِ يَقُولُ : لَا تَعْتَمُّ مِثْلَ الرَّجُلِ ، لَا تُكَرِّرُهُ طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ .


باب كيف الاختمار
( وَهِيَ تَخْتَمِرُ ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ، وَالتَّقْدِيرُ : دَخَلَ عَلَيْهَا حَالَ كَوْنِهَا تَلْبَسُ خِمَارِهَا . يُقَالُ : اخْتَمَرَتِ الْمَرْأَةُ وَتَخَمَّرَتْ ؛ إِذَا لَبِسَتِ الْخِمَارَ ، كَمَا يقَالَ اعْتَمَّ وَتَعَمَّمَ إِذَا لَبِسَ الْعِمَامَةَ . وَالْخِمَارُ بِالْكَسْرِ الْمِقْنَعَةُ .
( فَقَالَ : لَيَّةً ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالنَّاصِبُ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ ؛ أَيْ لَوِّيهِ لَيَّةً ( لَا لَيَّتَيْنِ ) ، أَمَرَهَا أَنْ تَلْوِيَ خِمَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَتُدِيرُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مَرَّتَيْنِ لِئَلَّا يُشْبِهَ اخْتِمَارُهَا تَدْوِيرَ عَمَائِمِ الرِّجَالِ إِذَا اعْتَمُّوا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ التَّشَبيهِ الْمُحَرَّمِ ؛ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : أَمَرَهَا بِأَنْ تَجْعَلَ الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا وَتَحْتَ حَنَكِهَا عَطْفَةً وَاحِدَةً لَا عَطْفَتَيْنِ حَذَرًا عَنِ الْإِسْرَافِ أَوِ التَّشَبُّهِ بِالْمُتَعَمِّمِينَ ، انْتَهَى .
( لَا تُكَرِّرْهُ ) ؛ أَيْ لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ أَوِ الْخِمَارَ . ( طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ ) ، وَمَعْنَى الطَّاقِ فِي الْهِنْدِيَّةِ بيج وته .
وَفِي الصِّحَاحِ : وَيُقَالُ طَاقُ نَعْلٍ . وَجَاءَ فِي الْهِدَايَةِ لَفْظُ طَاقٍ فِي مَحَلٍّ ، حَيْثُ قَالَ : الْقُرْطَقُ الَّذِي ذُو طَاقٍ ، انْتَهَى .
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ : هُوَ تَعْرِيبُ كرته يكتاهي ، انْتَهَى .
وَالْمَعْنَى : لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ ، بَلْ اقْتَصِرْي عَلَى اللَّيِّ مَرَّةً وَاحِدَةً . وتَكْرَارُ اللَّيِّ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ تَكْرَارَ الشَّيْءِ هُوَ فِعْلُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَإِنْ فَعَلَ أَحَدٌ شَيْئًا مَرَّةً فَقَطْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرَارًا . نَعَمْ إِنْ فَعَلَهُ مَرَّتَيْنِ - أَيْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى - كَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا وَاحِدًا ، وَإِنْ فَعَلَهُ ثَلَاثَ مِرَار كَانَ ذَلِكَ تَكْرَارَيْنِ ، وَإِنْ فَعَلَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثَ تَكْرَارَاتٍ ، وَهَكَذَا . فَإِذَا فَعَلَ اللَّيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرَارًا لَهُ وَكَانَ هَذَا جَائِزًا ، وَإِذَا فَعَلَ مَرَّتَيْنِ كَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا لَهُ وَاحِدًا وَلَمْ يَكُنْ هَذَا جَائِزًا ، وَكَذَلِكَ إِنْ فَعَلَ ثَلَاثَ مِرَار أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ؛ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ " لَا تُكَرِّرْهُ طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ " ، أَيْ لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّكْرَارُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، أَيْ لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ أَصْلًا . وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذِكْرِ التَّكْرَارِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَعَدَمُ جَوَازِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى لَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا .
وَالْحَاصِلُ : لَا تُكَرِّرْ لَيَّ الْخِمَارِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهْبٌ هَذَا يُشْبِهُ الْمَجْهُولَ . انْتَهَى ، وَفِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ .