حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ، أَلَا وَإِنَّهُ أَعْوَرُ ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ تعالى لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ " ك ف ر "


( مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ ) : أَيْ خَوَّفَهُمْ بِهِ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ : لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ وَعِنْدَ أَحْمَدَ : لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ أُمَّتَهُ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ ، أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ إِنْذَارُ نُوحٍ قَوْمَهُ بِالدَّجَّالِ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ ثَبَتَتْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بَعْدَ أُمُورٍ ذُكِرَتْ ، وَأَنَّ عِيسَى يَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ فَيَحْكُمُ بِالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ خُرُوجِهِ أَخْفَى عَلَى نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُمْ أُنْذِرُوا بِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُمْ وَقْتَ خُرُوجِهِ ، فَحَذَّرُوا قَوْمَهُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : " إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ " فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَّ لَهُ وَقْتُ خُرُوجِهِ وَعَلَامَاتِهِ ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَالَهُ وَوَقْتَ خُرُوجِهِ فَأُخْبِرَ بِهِ ، فَبِذَلِكَ تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ . انْتَهَى
( أَلَا ) : حَرْفُ التَّنْبِيهِ ( وَإِنَّهُ ) : أَيِ الدَّجَّالَ ( أَعْوَرٌ وَإِنَّ رَبّكَمْ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرٍ ) : إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْحُدُوثِ فِي الدَّجَّالِ ظَاهِرَةٌ لِكَوْنِ الْعَوَرِ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ وَمَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ ، فَإِذَا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَهُوَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ ، وَالْإِلَهُ يَتَعَالَى عَنِ النَّقْصِ ، عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ . ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ ( وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَكْتُوبًا بِالنَّصْبِ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي شَرَحَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ : وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ . قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْجُمْهُورِ مَكْتُوبًا وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِمَّا اسْمُ إِنَّ وَإِمَّا حَالٌ ، وَتَوْجِيهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حُذِفَ اسْمُ إِنَّ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ ، وَالِاسْمُ الْمَحْذف إِمَّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوْ يَعُودُ عَلَى الدَّجَّالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ( كَافِرٌ ) مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ " بَيْنَ عَيْنَيْهِ " . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .