90 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ
وَقَوْلِهِ تعالى : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ
6145 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً .


[10/554] قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ ) . أَمَّا الشِّعْرُ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِمَا دَقَّ وَمِنْهُ " لَيْتَ شِعْرِي " ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْكَلَامِ الْمُقَفَّى الْمَوْزُونِ قَصْدًا ، وَيُقَالُ أَصْلُهُ الشَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ ، يُقَالُ : شَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ ، وَشَعَرْتُ بِكَذَا عَلِمْتُ عِلْمًا دَقِيقًا كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهُ شَاعِرٌ ، فَقِيلَ لِمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَوْزُونَةِ وَالْقَوَافِي ، وَقِيلَ : أَرَادُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَأْتِي بِهِ الشَّاعِرُ كَذِبٌ ، وَمِنْ ثَمَّ سَمَّوُا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا ، وَقِيلَ فِي الشِّعْرِ : أَحْسَنُهُ وأَكْذَبُهُ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الشِّعْرِ أَنَّ شَرْطَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مَوْزُونًا اتِّفَاقًا فَلَا يُسَمَّى شِعْرًا ، وَأَمَّا الرَّجَزُ فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشِّعْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ : لَيْسَ بِشِعْرٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ رَاجِزٌ لَا شَاعِرٌ ، سُمِّيَ رَجَزًا لِتَقَارُبِ أَجْزَائِهِ وَاضْطِرَابِ اللِّسَانِ بِهِ ، وَيُقَالُ رَجَزَ الْبَعِيرُ إِذَا تَقَارَبَ خَطْوُهُ وَاضْطَرَبَ لِضَعْفٍ فِيهِ ، وَأَمَّا الْحُدَاءُ فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ : سَوْقُ الْإِبِلِ بِضَرْبٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْغِنَاءِ ، وَالْحُدَاءُ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالرَّجَزِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِنَ الشِّعْرِ ، وَلِذَلِكَ عَطَفَهُ عَلَى الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْإِبِلِ أَنَّهَا تُسْرِعُ السَّيْرَ إِذَا حُدِيَ بِهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا ، وَأَوْرَدَهُ الْبَزَّارُ مَوْصُولًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حَدَا الْإِبِلَ عَبْدٌ لِمُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ كَانَ فِي إِبِلٍ لِمُضَرَ فَقَصَّرَ ، فَضَرَبَهُ مُضَرُ عَلَى يَدِهِ فَأَوْجَعَهُ فَقَالَ : يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَأَسْرَعَتِ الْإِبِلُ لَمَّا سَمِعَتْهُ فِي السَّيْرِ ، فَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأَ الْحُدَاءِ . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِبَاحَةِ الْحُدَاءِ ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ إِشْعَارٌ بِنَقْلِ خِلَافِ فِيهِ ، وَمَانِعُهُ مَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَيَلْتَحِقُ بِالْحُدَاءِ هُنَا الْحَجِيجُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّشَوُّقِ إِلَى الْحَجِّ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ ، وَنَظِيرُهُ مَا يُحَرِّضُ أَهْلُ الْجِهَادِ عَلَى الْقِتَالِ ، وَمِنْهُ غِنَاءُ الْمَرْأَةِ لِتَسْكِينِ الْوَلَدِ فِي الْمَهْدِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَفْظَةٌ " وَقَوْلُهُ " وَهِيَ زِيَادَةٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : الْمُرَادُ بِالشُّعَرَاءِ شُعَرَاءُ الْمُشْرِكِينَ ، يَتَّبِعُهُمْ غُوَاةُ النَّاسِ وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ وَعُصَاةُ الْجِنِّ وَيَرْوُونَ شِعْرَهُمْ ; لِأَنَّ الْغَاوِيَ لَا يَتَّبِعُ إِلَّا غَاوِيًا مِثْلَهُ ، وَسَمَّى الثَّعْلَبِيُّ مِنْهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبَعْرَى ، وَهُبَيْرَةَ بْنَ أَبِي [10/555] وَهْبٍ ، وَمُسَافِعَ ، وَعَمْرَو بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي شَاعِرَيْنِ تَهَاجَيَا ، فَكَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ وَهُمُ الْغُوَاةُ السُّفَهَاءُ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - مَا لَا يَفْعَلُونَ قَالَ : فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ - مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ - قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّا شُعَرَاءُ . فَقَالَ : اقْرَءُوا مَا بَعْدَهَا إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنْتُمْ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أَنْتُمْ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الثَّلَاثَةِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْإِبْهَامِ لِيَدْخُلَ مَعَهُمْ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مَعَ الثَّلَاثَةِ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فِي كُلِّ وَادٍ قَالَ : فِي كُلِّ لَغْوٍ ، وَفِي قَوْلِهِ : يَهِيمُونَ قَالَ : يَخُوضُونَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَهِيمُونَ أَيْ يَقُولُونَ فِي الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ مَا لَيْسَ فِيهِ ، فَهُمْ كَالْهَائِمِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَالْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ .
قَوْلُهُ : ( وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ ) هُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ : " مَا يَجُوزُ " ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ الشِّعْرِ الْجَائِزِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْثُرْ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَخَلَا عَنْ هَجْوٍ ، وَعَنِ الْإِغْرَاقِ فِي الْمَدْحِ وَالْكَذِبِ الْمَحْضِ ، وَالتَّغَزُّلِ بِمُعَيَّنٍ لَا يَحِلُّ . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ : مَا أُنْشِدَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوِ اسْتَنْشَدَهُ ، لَمْ يُنْكِرْهُ . قُلْتُ : وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ شَيْخُ شُيُوخِنَا مُجَلَّدًا فِي أَسْمَاءِ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ مِنْ شِعْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ دَالَّةً عَلَى الْجَوَازِ ، وَبَعْضُهَا مُفَصِّلٌ لِمَا يُكْرَهُ مِمَّا لَا يُكْرَهُ ، وَتَرْجَمَ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " مَا يُكْرَهُ مِنَ الشِّعْرِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً الشَّاعِرُ يَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ أَعْظَمُ النَّاسِ فِرْيَةً رَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : الشَّعْرُ مِنْهُ حَسَنٌ وَمِنْهُ قَبِيحٌ ، خُذِ الْحَسَنَ وَدَعِ الْقَبِيحَ ، وَلَقَدْ رَوَيْتُ مِنْ شِعْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَشْعَارًا مِنْهَا الْقَصِيدَةُ فِيهَا أَرْبَعُونَ بَيْتًا ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى أَوَّلُهُ مِنْ حَدِيثِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَقَالَ : لَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنِ الشَّافِعِيِّ . وَاقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ فَقَصَّرَ ، وَعَابَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الِاقْتِصَارَ عَلَى نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ مَالِكِيٌّ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الْحُدَاءِ وَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فاحْشًا .
الحديث الأول : قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ قُرَشِيُّونَ مَدَنِيُّونَ فِي نَسَقٍ ، فَالزُّهْرِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ كِبَارِهِمْ ; وَلِمَرْوَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مَزِيَّةُ إِدْرَاكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُمَا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ مَعْدُودَانِ فِي [10/556] التَّابِعِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ رُؤْيَةٌ وَأَنَّهُ عُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَرْوَانَ فِي الصَّحَابَةِ لِإِدْرَاكِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الشُّرُوطِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي سَنَدِهِ : فَالْأَكْثَرُ عَلَى مَا قَالَ شُعَيْبٌ . وَقَالَ مَعْمَرٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ : " عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ " بَدَلَ أَبِي بَكْرٍ مَوْصُولًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ " عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ " مُرْسَلًا ، وَوَافَقَ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ الْجَمَاعَةَ ، وَكَذَا قَالَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، لَكِنْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَسْوَدِ وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَحَذَفَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، مَرْوَانَ مِنَ السَّنَدِ ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً ) أَيْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ . وَقِيلَ : أَصْلُ الْحِكْمَةِ الْمَنْعُ ، فَالْمَعْنَى أنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا ، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا ، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيًّا . فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
أَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ، فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ . وَإن قَوْلُهُ : وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا فَيُكَلَّفُ الْعَالِمُ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمْ فَيَجْهَلُ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيًّا فَعَرْضُكَ كَلَامَكَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَفْهُومُهُ أَنَّ بَعْضَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ " مِنْ " تَبْعِيضِيَّةٌ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ : إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رُبَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْكَلِمَةُ الْحَكِيمَةُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَا كَانَ فِي الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَعْظِيمٌ لَهُ وَوَحْدَانِيَّتُهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ فَهُوَ حَسَنٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ حِكْمَةٌ ، وَمَا كَانَ كَذِبًا وَفُحْشًا فَهُوَ مَذْمُومٌ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ " الشِّعْرُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ " وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِأَوَّلِ بَيْتِ شِعْرٍ ثُمَّ سَكَتَ ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : أَخَافُ أَنْ أَجِدَ فِي صَحِيفَتِي شِعْرًا ، وَعَنِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ : إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ : رَبِّ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا ، قَالَ قُرْآنُكَ الشِّعْرُ ثُمَّ أَجَابَ عَلى ذَلِكَ بِأَنَّهَا أَخْبَارٌ وَاهِيَةٌ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْهَانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قُوَّتِهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِيهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بَعْدَ بَابٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ سَائِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " عَنْ عُمَرَ بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " اسْتَنْشَدَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فَأَنْشَدْتُهُ حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ " .
وَعَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَلَّ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ إِلَّا وَهُوَ يُنْشِدُنِي شِعْرًا . وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا الشِّعْرَ وَأَنْشَدُوهُ وَاسْتَنْشَدُوهُ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " عَنْ خَالِدِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ إِيَاسُ بْنُ خَيْثَمَةَ فَقَالَ : أَلَا أَنْشُدُكَ مِنْ شِعْرِي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنْ لَا تُنْشِدْنِي إِلَّا حَسَنًا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : " لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْحَرِفِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ ، وَكَانُوا يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَيَذْكُرُونَ أَمْرَ جَاهِلِيَّتِهِمْ ، فَإِذَا أُرِيدَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ دَارَتْ حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ " وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : " كُنْتُ أُجَالِسُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ [10/557] فَيَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَذْكُرُونَ حَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ " وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَحَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَاهُمْ ، وَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ " .