فصل
في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في تضمين مَن طبَّ الناس وهو جَاهِلٌ بالطِّب
روى أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مَنْ تطبَّبَ ولم يُعْلَم مِنْهُ الطِّبُّ قَبْلَ ذلك ، فهو ضَامِنٌ " .
هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أُمور : أمرٌ لُغوي ، وأمرٌ فقهي ، وأمرٌ طبي .
فأما اللغوي : فالطِّب بكسر الطاء في لغة العرب ، يقال : على معانٍ .
[1/104] منها الإصلاح . يقال : طببتُه : إذا أصلحته . ويقال : له طِبٌ بالأمور . أي : لُطفٌ وسياسة . قال الشاعر :
وإذَا تغيَّرَ مِنْ تَمِيمٍ أَمْرُها
كُنْتَ الطَّبيبَ لَها بِرَأْيٍ ثَاقِبٍ
ومنها : الحِذق . قال الجوهري : كلُّ حاذقٍ طبيبٌ عند العرب ، قال أبو عبيد : أصل الطِّب : الحِذْق بالأشياء والمهارة بها . يقال للرجل : طب وطبيب : إذا كان كذلك ، وإن كان في غير علاج المريض . وقال غيرُه : رجل طبيبٌ ؛ أي : حاذقٌ ، سمي طبيبا لحِذقه وفِطْنته . قال علقمة :
فَإنْ تَسْأَلُونى بِالنِّسَاءِ فَإنَّني
خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
إذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلَّ مَالُـه
فَلَيْسَ لَهُ مِنْ وُدِّهِنَّ نَصِيبُ
وقال عنترةُ :
إنْ تُغْدِ في دُوني الْقِنَاعَ فَإنَّني
طَبٌ بِأَخْذِ الْفَارِسِ الْمُسْتَلْئِمِ
أي : إن تُرخي عني قِناعك ، وتَستُري وجهك رغبةً عني ، فإني خبيرٌ حاذقٌ بأخذ الفارس الذي قد لبس لأَمةَ حربه .
ومنها : العادة ، يقال : ليس ذلك بطِبّي ، أي : عادتي ، قال فَرْوةُ بن مُسَيكٍ :
فَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِن
مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا
وقال أحمد بن الحسين المتنبي :
وَمَا التِّيهُ طِبّي فِيهِمُ غَيْرَ أَنَّني
بَغِيضٌ إلَي الْجَاهِلُ الْمُتَعَاقِلُ
ومنها : السِّحر ؛ يقال : رجل مطبوب ، أي : مسحور ، وفي ( الصحيح ) في حديث عائشة لـمَّا سحرت يهودُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس الملَكَانِ عِنْدَ رأسه وعند رجليه ، فقال أحدهما : ما بالُ الرَّجُلِ ؟ قال الآخر : مَطْبُوبٌ . قال : مَن طَبَّه ؟ قال : فلان اليهودي .
قال أبو عبيد : إنما قالوا للمسحور : مَطْبُوبا ؛ لأنهم كنَّوْا بالطِّبِّ عن السِّحر ، كما كنَّوا عن اللَّديغ ، فقالوا : سليمٌ تفاؤلا بالسلامة ، وكما كنَّوا بالمفازة عن الفلاة [1/105] المُهلكة التي لا ماء فيها ، فقالوا : مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك . ويقال الطِّبُّ لنفس الداء . قال ابْنُ أبي الأسلت :
أَلا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنّي
أَسِحْرٌ كَانَ طِبُّكَ أَمْ جُنُونُ ؟
وأما قول الحماسي :
فإن كُنْتَ مَطْبُوبا فَلا زِلْتَ هَكَذَا
وإن كُنْتَ مَسْحُورا فلا بَرِئَ السِّحْرُ
فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سُحِر ، وأراد بالمسحور : العليل بالمرض .
قال الجوهري : ويقال للعليل : مسحور . وأنشد البيت . ومعناه : إن كان هذا الذي قد عراني منكِ ومِن حُبِّك أسألُ اللهَ دوامه ، ولا أريدُ زواله ، سواء كان سحرا أو مرضا .
والطبُّ : مثلثُ الطاء ، فالمفتوح الطاءُ : هو العالِم بالأُمور ، وكذلك الطبيبُ يقال له : طَب أيضا . والطِّبُّ : بكسر الطاء : فِعْلُ الطبيب ، والطُّبُّ بضم الطاء : اسم موضع . قاله ابن السِّيد ، وأنشد :
فَقُلْتُ هَل انْهَلْتُم بِطُبَّ رِكَابَكُمْ
بِجَائِزَةِ الماءِ التي طَابَ طينُهَــا
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " مَنْ تَطَبَّبَ " ولم يقل : مَن طَبَّ ، لأن لفظ التَّفعل يدل على تكلُّف الشيء والدخول فيه بُعسر وكُلفة ، وأنه ليس من أهله ، كتَحَلَّم وتشجَّع وتصبَّر ونظائرِها ، وكذلك بَنَوْا تكلَّف على هذا الوزن ، قال الشاعر :
وَقَيسَ عَيْلانَ ومَنْ تَقَيَّسَا
وأما الأمر الشرعي : فإيجابُ الضمان على الطبيب الجاهل ، فإذا تعاطى عِلمَ الطِّب وعمله ، ولم يتقدم له به معرفة ، فقد هَجم بجهله على إتلافِ الأنفس ، وأقْدَم بالتهوُّر على ما لم يعلمه ، فيكون قد غَرَّ بالعليل ، فيلزمه الضمانُ لذلك ، وهذا إجماع من أهل العلم .
قال الخطَّابي : لا أعلم خلافا في أن المعالِج إذا تعدَّى ، فتَلِفَ المريضُ كان ضامنا ، والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد ، فإذا تولَّد من فعله التلف ضمن الدية ، [1/106] وسقط عنه القَودُ ، لأنه لا يستبِدُّ بذلك بدون إذن المريض ، وجنايةُ المُتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقِلَتِه .
قلت : الأقسام خمسة :
أحدها : طبيب حاذق أعطى الصنعةَ حقَّها ولم تجن يده ، فتولَّد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ، ومن جهة مَن يطبُّه تلفُ العضو أو النفس ، أو ذهابُ صفةٍ ، فهذا لا ضمان عليه اتفاقا ، فإنها سِراية مأذونٍ فيه ، وهذا كما إذا خَتَنَ الصبيّ في وقت ، وسِـنه قابل للختان ، وأعطى الصنعةَ حقَّها ، فَتَلِفَ العضو أو الصبيّ ، لم يضمن ، وكذلك إذا بَطَّ مِن عاقل أو غيرِه ما ينبغي بطُّه في وقته على الوجه الذي ينبغي فَتَلِفَ به ، لم يضمن ، وهكذا سِراية كُلِّ مأذون فيه لم يتعدَّ الفاعل في سببها ، كسِراية الحدِّ بالاتفاق . وسِرايةِ القِصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها ، وسِراية التعزير ، وضربِ الرجل امرأته ، والمُعلِّم الصبيّ ، والمستأجر الدابة ، خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمانَ في ذلك ، واستثنى الشافعي ضَرْبَ الدابة .
وقاعدةُ الباب إجماعا ونزاعا : أنَّ سِراية الجناية مضمونةٌ بالاتفاق ، وسِراية الواجب مُهْدَرةٌ بالاتفاق ، وما بينهما ففيه النزاع . فأبو حنيفة أوجب ضمانَه مطلقا ، وأحمد ومالكٌ أهدرا ضمانه ، وفرَّقَ الشافعي بين المقدَّر ، فأهدر ضمانه ، وبين غيرِ المُقَدَّر فأوجبَ ضمانه . فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة ، وأحمد ومالك نظرا إلى أنَّ الإذن أسقط الضمانَ ، والشافعي نظر إلى أنَّ المُقَدَّر لا يمكن النقصان منه ، فهو بمنزلة النص ، وأما غيرُ المُقَدَّر كالتَّعزيرات ، والتأديبات ، فاجتهاديةٌ ، فإذا تَلِفَ بها ، ضمن ، لأنه في مَظِنَّة العُدوان .
[1/107] فصل
القسمُ الثاني : متطبِّبٌ جاهِلٍ باشرت يدُه مَن يَطُبُّه ، فتَلِفَ به ، فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا عِلْمَ له ، وأَذِنَ له في طِبه لم يضمن ، ولا تُخالف هذه الصورة ظاهرَ الحديث ، فإنَّ السِّياق وقوة الكلام يدلُّ على أنه غرَّ العليل ، وأوهمه أنه طبيب ، وليس كذلك ، وإن ظنَّ المريضُ أنه طبيب ، وأذن له في طِبه لأجل معرفته ، ضَمِنَ الطبيبُ ما جنت يده ، وكذلك إن وصف له دواء يستعملُه ، والعليلُ يظن أنه وصفه لمعرفته وحِذْقه فتَلِفَ به ، ضمنه ، والحديثُ ظاهر فيه أو صريح .
فصل
القسم الثالث : طبيبٌ حاذِق ، أُذن له ، وأعطى الصَّنعة حقها ، لكنه أخطأت يدُه ، وتعدَّت إلى عضو صحيح فأتلفه ، مِثل : أن سبقت يدُ الخاتن إلى الكَمَرَةِ ، فهذا يضمَنُ ، لأنها جِنَايةُ خطأٍ ، ثم إن كانت الثُّلُث فما زاد ، فهو على عاقِلَتِه ، فإن لم تكن عاقلةٌ ، فهل تكون الدِّيَة في ماله ، أو في بيت المال ؟ على قوليْن ، هما روايتان عن أحمد . وقيل : إن كان الطبيب ذِمِّيا ، ففي ماله ؛ وإن كان مسلما ، ففيه الروايتان ، فإن لم يكن بيتُ المال ، أو تعذَّر تحميلُه ، فهل تسقط الدِّيَة ، أو تجب في مال الجاني ؟ فيه وجهان أشهرهما : سقوطها .
فصل
القسم الرابع : الطبيبُ الحاذِق الماهر بصناعته ، اجتهد فوصف للمريض دواءً ، فأخطأ في اجتهاده ، فقتله ، فهذا يُخرَّج على روايتين ؛ إحداهما : أنَّ دِيةَ المريض في بيت المال . والثانية : أنها على عاقلة الطبيب ، وقد نص عليهما الإمامُ أحمد في خطأ الإمام والحاكم .
فصل
القسم الخامس : طبيبٌ حاذق ، أعطى الصنعةَ حقها ، فقطع سِلْعَةً من رجل أو صبي ، أو مجنون بغير إذنه ، أو إذن وَليِّه ، أو خَتَنَ صبيا بغير إذن وَليِّه فَتَلِفَ ، فقال أصحابُنا : يضمن ، لأنه تولَّد من فعلٍ غير مأذون فيه ، وإن أذن له البالغ ، أو وَلِي الصبي والمجنون ، لم يضمن ، ويحتمِلُ أنْ لا يضمَن مطلقا لأنه محسنٌ ، وما على [1/108] المُحسنين من سبيلٍ . وأيضا فإنه إن كان متعدِّيا ، فلا أثر لإذن الولي في إسقاطِ الضمان ، وإن لم يكن متعدِّيا ، فلا وجه لضمانه .
فإن قلتَ : هو متعدٍّ عند عدم الإذن ، غير متعدٍّ عند الإذن .
قلتُ : العُدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو ، فلا أثر للإذن وعدمه فيه ، وهذا موضع نظر .
فصل
والطبيبُ في هذا الحديث يتناول مَن يطب بوصفه وقوله ، وهو الذي يُخَصُّ باسم الطَّبائعي ، وبمرْوَدِهِ وهو الكحَّال ، وبِمبضَعه ومراهِمه وهو الجرائحي ، وبمُوساه وهو الخاتِن ، وبريشته وهو الفاصد ، وبمَحاجمه ومِشْرَطِه وهو الحجَّام ، وبخَلْعِه ووَصْله ورِباطه وهو المجبِّر ، وبمكواته وناره وهو الكوَّاء ، وبقِربته وهو الحاقن .
وسواء أكان طبه لحيوان بهيمٍ ، أو إنسان ، فاسمُ الطبيب يُطلق لغةً على هؤلاء كلهم ، كما تقدَّم ، وتخصيصُ الناس له ببعض أنواع الأطباء عُرْفٌ حادث ، كتخصيص لفظ الدابة بما يخصُّها به كُلُّ قوم .
فصل
والطبيب الحاذق : هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا :
أحدها : النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو ؟.
الثاني : النظر في سببه من أي شيء حدث ، والعِلَّةُ الفاعلةُ التي كانت سببَ حدوثه ما هي ؟
الثالث : قوة المريض ، وهل هي مقاومة للمرض ، أو أضعفُ منه ؟ فإن كانت مقاومةً للمرض ، مستظهرة عليه ، تركها والمرض ، ولم يُحَرِّكْ بالدواء ساكنا .
الرابع : مزاج البدن الطبيعي ما هو ؟
الخامس : المزاجُ الحادث على غير المجرى الطبيعي .
السادس : سِنُّ المريض .
السابع : عادته .
الثامن : الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به .
[1/109] التاسع : بلدُ المريض وتُربتُه .
العاشر : حال الهواء في وقت المرض .
الحادي عشر : النظر في الدواء المضاد لتلك العِلَّة .
الثاني عشر : النظر في قوة الدواء ودرجته ، والموازنة بينها وبين قوة المريض .
الثالث عشر : ألا يكون كلُّ قصده إزالة تلك العِلَّة فقط ، بل إزالتُها على وجهٍ يأمن معه حدوث أصعبَ منها ، فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث عِلَّةٍ أُخرى أصعبَ منها ، أبقاها على حالها ، وتلطيفها هو الواجب ، وهذا كمرض أفواه العروق ، فإنه متى عُولج بقطعه وحبسه خِيف حدوث ما هو أصعبُ منه .
الرابع عشر : أن يُعالِج بالأسهل فالأسهل ، فلا يَنتقِلُ من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذُّرِه ، ولا ينتقِلُ إلى الدواء المركَّب إلا عند تعذرِ الدواء البسيط ، فمن حذق الطبيب علاجُه بالأغذية بدل الأدوية ، وبالأدوية البسيطة بدل المركَّبة .
الخامس عشر : أن ينظر في العِلَّة ، هل هي مما يمكن علاجُها أو لا ؟ فإن لم يُمكن علاجُها ، حفظ صِناعته وحُرمتَه ، ولا يحمِلُه الطمع على علاج لا يفيد شيئا . وإن أمكن علاجها ، نظر هل يمكن زوالُها أم لا ؟ فإن علم أنه لا يمكن زوالُها ، نظر هل يمكن تخفيفُها وتقليلُها أم لا ؟ فإن لم يمكن تخفيفُها وتقليلُها ، ورأى أنَّ غاية الإمكان إيقافُها وقطعُ زيادتها ، قصد بالعلاج ذلك ، وأعان القوة ، وأضعف المادة .
السادس عشر : ألا يتعرَّض للخلط قبل نُضجه باستفراغ ، بل يقصد إنضاجه ، فإذا تمَّ نضجُه ، بادر إلى استفراغه .
السابع عشر : أن يكون له خِبْرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان ، فإنَّ انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمرٌ مشهود ، والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما ، كان هو الطبيبَ الكاملَ ، والذي لا خِبْرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوالِ البدن نصفُ طبيب . وكلُّ طبيب لا يداوي العليل بتفقُّد قلبه وصلاحه ، وتقويةِ روحه وقُواه بالصدقة ، وفعل الخير ، والإحسان ، والإقبال على الله والدار الآخرة ، فليس بطبيب ، بل متطبِّبٌ قاصر . ومن أعظم علاجات المرض فعلُ الخير والإحسان والذِّكر [1/110] والدعاء ، والتضرع والابتهال إلى الله ، والتوبة ، ولهذه الأُمور تأثيرٌ في دفع العلل ، وحصول الشفاء أعظمُ من الأدوية الطبيعية ، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولِها وعقيدتِها في ذلك ونفعه .
الثامن عشر : التلطفُ بالمريض ، والرِّفق به ، كالتلطُّف بالصبي .
التاسع عشر : أن يستعمل أنواع العِلاجات الطبيعية والإلهية ، والعلاج بالتخييل ، فإنَّ لِحذَّاق الأطباء في التخييل أُمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء ، فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل مُعين .
العشرون : وهو مِلاك أمر الطبيب أن يجعل علاجَه وتدبيرَه دائرا على سِتَّة أركان : حفظ الصحة الموجودة ، وردِّ الصحة المفقودة بحسب الإمكان ، وإزالة العِلَّة أو تقليلها بحسب الإمكان ، واحتمالُ أدنى المفسدتَيْن لإزالة أعظمهما ، وتفويتُ أدنى المصلحتَيْن لتحصيل أعظمهما ، فعلى هذه الأُصول السِّـتَّة مدارُ العلاج ، وكلُّ طبيب لا تكون هذه أخِيَّته التي يرجع إليها ، فليس بطبيب . والله أعلم .
فصل
ولما كان للمرض أربعةُ أحوال : ابتداءٌ ، وصُعودٌ ، وانتهاءٌ ، وانحطاطٌ ؛ تعيَّن على الطبيب مراعاةُ كل حال من أحوال المرض بما يُناسبها ويليق بها ، ويستعمِلُ في كل حال ما يجبُ استعمالُه فيها . فإذا رأى في ابتداء المرض أنَّ الطبيعة محتاجة إلى ما يُحَرِّك الفضلات ويستفرِغُها لنضجها ، بادر إليه ، فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك ، أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ ، أو لبرودة الفصل ، أو لتفريط وقع ، فينبغي أن يَحْذَرَ كل الحَذرِ أن يفعل ذلك في صعود المرض ، لأنه إن فعله ، تحيَّرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء ، وتخلَّت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية ، ومثاله : أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه ، فيشغله عنه بأمر آخر ، ولكن الواجب في هذه الحال أن يُعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه .
فإذا انتهى المرض ووقف وسكن ، أخذ في استفراغه ، واستئصال أسبابه ، فإذا أخذ في الانحطاط ، كان أولى بذلك . ومثالُُ هذا مثال العدو إذا انتهت قُوَّته ، وفرغ سِلاحُه ، كان أخذُه سهلا ، فإذا ولَّى وأخذ في الهرب ، كان أسهلَ أخذا ، وحِدَّته وشَوْكتُه إنما هي في ابتدائه ، وحال استفراغه ، وسعة قُوَّته ، فهكذا الداء والدواء سواء .
[1/111] فصل
وَمِن حِذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل ، فلا يَعْدِلُ إلى الأصعب ، ويتدَّرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فَوتَ القُوَّة حينئذ ، فَيجبُ أن يبتدئ بالأقوى ، ولا يُقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفُها الطبيعة ، ويَقِلُّ انفعالُها عنه ، ولا تَجْسُر على الأدوية القوية في الفصول القوية ، وقد تقدَّم أنه إذا أمكنه العِلاجُ بالغذاء ، فلا يُعالِج بالدواء ، وإذا أشكل عليه المرضُ أحارٌ هو أم بارد ؟ فلا يقدم حتى يتبيَّن له ، ولا يُجرِّبه بما يخاف عاقبته ، ولا بأس بتجرِبته بما لا يضرُّ أثرُه .
وإذا اجتمعت أمراض ، بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال :
إحداها : أن يكون بُرء الآخر موقوفا على بُرئه كالورم والقُرحة ، فإنه يبدأ بالورم .
الثانية : أن يكون أحدهُا سببا للآخر ، كالسَّدة والحُمَّى العَفِنة ، فإنه يبدأ بإزالة السبب .
الثالثة : أن يكون أحدهما أهمَ من الآخر ، كالحاد والمزمن ، فيبدأ بالحاد . ومع هذا فلا يغفُلُ عن الآخر . وإذا اجتمع المرض والعَرَض ، بدأ بالمرض ، إلا أن يكون العَرَضُ أقوى كالقُولنج ، فيُسكن الوجع أولا ، ثم يُعالج السَّدة . وإذا أمكنه أن يعتاضَ عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم ، لم يستفرغه ، وكُلّ صحة أراد حفظها ، حفظها بالمثل أو الشبه ، وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضلُ منها ، نقلها بالضد .