بَابٌ فِي الْجَهْمِيَّةِ
حدثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [4/368] لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ

باب في الجهمية : أَيْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : بَابٌ فِي الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ .
وَالْجَهْمِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَنْفُونَ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي أَثْبَتَهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَيَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ .
وَالْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ قَدْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَعَنَوْا بِالتَّوْحِيدِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ ، وَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ أَشْرَكَ ، وَهُمْ فِي النَّفْيِ مُوَافِقُونَ لِلْجَهْمِيَّةِ .
قَالَ السَّيِّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ : الْجَهْمِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ نُسِبُوا إِلَى جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ [4/368] الَّذِي قُتِلَ فِي آخِرِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ، انْتَهَى .
وَفِي مِيزَانِ الذَّهَبِيِّ : جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ الضَّالُّ الْمُبْتَدِعُ رَأْسُ الْجَهْمِيَّةِ هَلَكَ فِي زَمَانِ صِغَارِ التَّابِعِينَ زَرَعَ شَرًّا عَظِيمًا . انْتَهَى .
وَالْمُعْتَزِلَةُ فِرْقَةٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ زَعَمُوا أَنَّهُمُ اعْتَزَلُوا فِئَتَيِ الضَّلَالَةِ عِنْدَهُمْ ، أَيْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْخَوَارِجَ ، أَوْ سَمَّاهُمْ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمَّا اعْتَزَلَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ ، وَكَانَ مِنْ قَبْلُ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ وَكَذَا أَصْحَابُهُ ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ ، فَشَرَعَ وَاصِلٌ يُقَرِّرُ الْقَوْلَ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا مُؤْمِنٌ مُطْلَقٌ وَلَا كَافِرٌ مُطْلَقٌ بَلْ هُوَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : اعْتَزَلَ عَنَّا وَاصِلٌ ، فَسُمُّوا الْمُعْتَزِلَةَ لِذَلِكَ .
وَقَالَتِ الْخَوَارِجُ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ ، فَخَرَجَ وَاصِلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . كَذَا فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ .
( يَتَسَاءَلُونَ ) أَيْ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . ( حَتَّى يُقَالَ : هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ) قِيلَ : لَفْظُ هَذَا مَعَ عَطْفِ بَيَانِهِ الْمَحْذُوفِ ، وَهُوَ الْمَقُولُ مَفْعُولُ ، يُقَالَ : أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَخَلَقَ اللَّهُ تَفْسِيرٌ لِهَذَا ، أَوْ بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ ، وَقِيلَ : مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ ، أَيْ : هَذَا الْقَوْلُ أَوْ قَوْلُكَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ، وَالْجُمْلَةُ أُقِيمَتْ مَقَامَ فَاعِلِ يُقَالَ . ( فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ) إِشَارَةٌ إِلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ . ( فَلْيَقُلْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَلْيَقُلْ : " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ " .
قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ هَذَا الْخَاطِرِ الْبَاطِلِ وَالِالْتِجَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إِذْهَابِهِ . انْتَهَى .
وَقَالَ الْقَارِيُّ : أَيْ آمَنْتُ بِالَّذِي قَالَ اللَّهُ وَرُسُلُهُ مِنْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِالتَّوْحِيدِ وَالْقِدَمِ .
وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ - وَإِجْمَاعُ الرُّسُلِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْحَقُّ ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .