6167 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ ؟ قَالَ : وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قَالَ : إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ؟ فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا ، فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ ، وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي فَقَالَ : إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ . وَاخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الحديث التاسع :
قَوْلُهُ : ( هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ) صَرَّحَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ قَتَادَةَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَسٍ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ عَقِبَ هَذَا .
قَوْلُهُ : ( إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " إنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ " وَفِي رِوَايَةِ [10/571] إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَهُ نَحْوُهُ ; وَفِي رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْآتِيَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ عَنْ أَنَسٍ " بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَارِجِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ " وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ أَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ حَدِيثَهُ بِذَلِكَ مُخَرَّجٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو مُوسَى أَوْ أَبُو ذَرٍّ فَقَدْ وَهِمَ فَإِنَّهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي مَعْنَى الْجَوَابِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ سُؤَالُهُمَا ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ أَبِي مُوسَى ، وَأَبِي ذَرٍّ إِنَّمَا سَأَلَ عَنِ الرَّجُلِ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ، وَهَذَا سَأَلَ مَتَى السَّاعَةُ ؟
قَوْلُهُ : ( مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ ) يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ " ؟ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ .
قَوْلُهُ : ( وَيْلَكَ ، مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : مَا أَعْدَدْتُ لَهَا ) زَادَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " مِنْ كَثِيرِ عَمَلٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي " وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ " فَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا " وَفِي رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْمَذْكُورَةِ " فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ : مَا أَعْدَدْتُ مِنْ كَبِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ " .
قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا وَأَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا .
قَوْلُهُ : ( إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ) أَيْ مُلْحَقٌ بِهِمْ حَتَّى تَكُونَ مِنْ زُمْرَتِهِمْ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِيرَادُ أَنَّ مَنَازِلَهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ فَكَيْفَ تَصِحُّ الْمَعِيَّةُ ! فَيُقَالُ : إِنَّ الْمَعِيَّةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ فِي شَيْءٍ مَا ، وَلَا تَلْزَمُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، فَإِذَا اتُّفَقَ أَنَّ الْجَمِيعَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ صَدَقَتِ الْمَعِيَّةُ ، وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الدَّرَجَاتُ ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .
قَوْلُهُ : ( فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) هَذَا يُؤَيِّدُ مَا بَيَّنْتُ بِهِ الْمَعِيَّةَ ; لِأَنَّ دَرَجَاتِ الصَّحَابَةِ مُتَفَاوِتَةٌ .
قَوْلُهُ : ( فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا ) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ " فَلَمْ أَرَ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا فَرَحًا أَشَدَّ مِنْهُ " .
قَوْلُهُ : ( فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَفَّانَ ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ " مَرَّ غُلَامٌ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي ) أَيْ مِثْلِي فِي السِّنِّ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْقَرْنُ الْمِثْلُ فِي السِّنِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِكَسْرِهَا ؛ الْمِثْلُ فِي الشَّجَاعَةِ قَالَ : وَفَعْلٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ ، إِلَّا أَلْفَاظٌ لَمْ يَعُدُّوا هَذَا فِيهَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ " وَذَلِكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ " وَالْأَتْرَابُ جَمْعُ تِرْبٍ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَهُمُ الْمُتَمَاثِلُونَ ، شُبِّهُوا بِالتَّرَائِبِ الَّتِي هِيَ ضُلُوعٌ الصَّدْرِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ فِي آخِرِهِ " وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بَعْدُ غُلَامٌ " قَالَ ابْنُ بَشْكُوَالَ اسْمُ هَذَا الْغُلَامِ مُحَمَّدٌ ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ ؟ وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ " الْحَدِيثَ . قَالَ : وَقِيلَ اسْمُهُ سَعْدٌ . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنِ السَّاعَةِ - فَذَكَرَ حَدِيثًا - قَالَ فَنَظَرَ إِلَى غُلَامٍ مِنْ دَوْسٍ يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ " وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبَارُودِيُّ فِي " الصَّحَابَةِ " وَسَنَدُهُ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ فِيهِ " مَرَّ سَعْدٌ الدَّوْسِيُّ " قَالَ وَرَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فَقَالَ فِيهِ : " فَقَالَ لِشَابٍّ مِنْ دَوْسٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ سَعْدٍ " . قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَنَسٍ " ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ " [10/572] فَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدُ ، أَوْ كَانَ اسْمُ الْغُلَامِ سَعْدًا وَيُدْعَى مُحَمَّدًا أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَدَوْسٌ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالَفَ الْأَنْصَارَ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَنْ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَهِيَ أَوْلَى . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ لَئِنْ عَمَّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ ، كَذَا فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا بِإِسْنَادِ الْإِدْرَاكِ لِلْهَرَمِ ، وَلَوْ أُسْنِدَ لِلْغُلَامِ لَكَانَ سَائِغًا ، وَلَكِنْ أُشِيرَ بِالْأَوَّلِ إِلَى أَنَّ الْأَجَلَ كَالْقَاصِدِ لِلشَّخْصِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَارُودِيِّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا بَدَلَ قَوْلِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لَا يَبْقَى مِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْمُرَادُ . وَلَهُ فِي أُخْرَى : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ : أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمُ عَلَيْهَا أَحَدٌ ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الدُّنْيَا تَنْقَضِي بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ ، فَلِذَلِكَ قَالَ الصَّحَابِيُّ " فَوَهِلَ النَّاسُ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ " وَإِنَّمَا أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ انْخِرَامَ قَرْنِهِ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ مُخْتَصَرًا . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ " فَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ مَقَالَتِهِ تِلْكَ عِنْدَ اسْتِكْمَالِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ سَنَةِ مَوْتِهِ أَحَدٌ " وَكَانَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَائِلَةَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ سَاعَةُ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ الْمُرَادَ مَوْتُهُمْ ، وَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى يَوْمِ مَوْتِهِمُ اسْمَ السَّاعَةِ لِإِفْضَائِهِ بِهِمْ إِلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ الْعُظْمَى كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ الْمُبَالَغَةَ فِي تَقْرِيبِ قِيَامِ السَّاعَةِ لَا التَّحْدِيدَ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تَقُومُ عِنْدَ بُلُوغِ الْمَذْكُورِ الْهَرَمَ . قَالَ : وَهَذَا عَمَلٌ شَائِعٌ لِلْعَرَبِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُبَالَغَةِ عِنْدَ تَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ تَحْقِيرِهِ وَعِنْدَ تَقْرِيبِ الشَّيْءِ وَعِنْدَ تَبْعِيدِهِ ، فَيَكُونُ حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ قَرِيبًا جِدًّا ، وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّانِي جَزَمَ بَعْضُ شُرَّاحِ " الْمَصَابِيحِ " وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ " الْمَشَارِقِ " ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمَحْفُوظُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ تَأْتِيكُمْ سَاعَتُكُمْ ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْتَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَابًا فَخَشِيَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ لَا أَدْرِي مَتَى السَّاعَةُ فَيَرْتَابُوا فَكَلَّمَهُمْ بِالْمَعَارِيضِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ " كَانَ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَيَنْظُرُ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ سِنًّا فَيَقُولُ : إِنْ يَعِشْ هَذَا حَتَّى يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ " قَالَ عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ : هَذِهِ رِوَايَةٌ وَاضِحَةٌ تُفَسِّرُ كُلَّ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ فِي غَيْرِهَا ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنَّ الْغُلَامَ الْمَذْكُورَ لَا يُؤَخَّرُ وَلَا يُعَمَّرُ وَلَا يَهْرَمُ ، أَيْ فَيَكُونُ الشَّرْطُ لَمْ يَقَعْ فَكَذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الْجَزَاءُ ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِمْرَارُ الْإِشْكَالِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ حَمَلَ السَّاعَةَ عَلَى انْقِرَاضِ الدُّنْيَا وَحُلُولِ أَمْرِ الْآخِرَةِ كَانَ مُقْتَضَى الْخَبَرِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ ذَلِكَ بِمِقْدَارِ مَا لَوْ عَمَّرَ ذَلِكَ الْغُلَامُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْهَرَمَ ، وَالْمُشَاهَدُ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَإِنْ حَمَلَ السَّاعَةَ عَلَى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ رَجَعَ إِلَى التَّأْوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلَهُ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سِنَّ الْهَرَمِ لَا حَدَّ لِقَدْرِهِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مَحْذُوفًا ، كَذَا قَالَ .
[10/573] قَوْلُهُ : ( وَاخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظُهُ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَسَاقَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَلَفْظُهُ : " جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . قَالَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ هَمَّامٍ ، فَكَأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِالِاخْتِصَارِ مَا زَادَهُ هَمَّامٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ : " فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا ، فَمَرَّ غُلَامٌ إِلَخْ " .