[4/374] بَابٌ فِي الرُّؤْيَةِ

حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِسْماَعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [4/375] جُلُوسًا فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا

بَابٌ فِي الرُّؤْيَةِ : أَيْ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي دَارِ الْآخِرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ إِلَى جَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ ، وَمَنَعَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةُ .
وَتَمَسَّكُوا بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الْمَرْئِيِّ مُحْدَثًا ، وَحَالًّا فِي مَكَانٍ ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : " نَاظِرَةٌ " بِمُنْتَظِرَةٍ وَهُوَ خَطَأٌ .
وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ فَاسِدٌ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ ، وَالرُّؤْيَةُ فِي تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْئِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومِ ، فَإِذَا كَانَ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ لَا يُوجِبُ حُدُوثَهُ فَكَذَلِكَ الْمَرْئِيُّ .
قَالَ : وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى : لَنْ تَرَانِي وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا جَمْعًا بَيْنَ دَلِيلَيِ الْآيَتَيْنِ ، وَبِأَنَّ نَفْيَّ الْإِدْرَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَّ الرُّؤْيَةِ لِإِمْكَانِ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ بِحَقِيقَتِهِ .
وَعَنِ الثَّانِي الْمُرَادُ لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا جَمْعًا أَيْضًا ، وَلِأَنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إِحَالَتَهُ مَعَ مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَلَى وَفْقِ الْآيَةِ ، وَقَدْ تَلَقَّاهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقَبُولِ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حَتَّى حَدَثَ مَنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ وَخَالَفَ السَّلَفَ [4/375] كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لِإِثْبَاتِهَا أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا .
( جُلُوسًا ) بِالضَّمِّ ، أَيْ جَالِسِينَ . ( لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ) بَدَلٌ مِنْ مَا قَبْلَهُ . ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( كَمَا تَرَوْنَ هَذَا ) أَيِ الْقَمَرَ . ( لَا تُضَامُّونَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : هُوَ مِنَ الِانْضِمَامِ ، يُرِيدُ أَنَّكُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ فِي رُؤْيَتِهِ حَتَّى تَجْتَمِعُوا لِلنَّظَرِ وَيَنْضَمَّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَيَقُولُ وَاحِدٌ : هُوَ ذَاكَ ، وَيَقُولُ آخَرُ : لَيْسَ بِذَلِكَ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الْهِلَالِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ، وَوَزْنُهُ تَفَاعَلُونَ ، وَأَصْلُهُ تَتَضَامُونَ حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ : لَا تُضَامُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ وَلَا مَشَقَّةٌ فِي رُؤْيَتِهِ .
( فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ : لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ . ( عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) يَعْنِي : الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ ، وَخَصَّ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لِتَعَاقُبِ الْمَلَائِكَةِ فِي وَقْتِهِمَا ، وَلِأَنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقْتُ النَّوْمِ ، وَصَلَاةَ الْعَصْرِ وَقْتُ الْفَرَاغِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ وَإِتْمَامِ الْوَظَائِفِ ، فَالْقِيَامُ فِيهِمَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ .
( فَافْعَلُوا ) أَيْ عَدَمَ الْمَغْلُوبِيَّةِ بِقَطْعِ الْأَسْبَابِ الْمُنَافِيَةِ لِلِاسْتِطَاعَةِ كَنَوْمٍ وَنَحْوِهِ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ : أَيْ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ حَتَّى تَتْرُكُوهُمَا أَوْ تُؤَخِّرُوهُمَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .