حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ خُذِ الْعَفْوَ قَالَ : أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ

( فِي قَوْلِهِ ) : أَيْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : خُذِ الْعَفْوَ لَمَّا عَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ مَا عَدَّدَهُ وَتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وَضَلَالِ سَعْيِهِمْ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ ، يُقَالُ : أَخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا ، [4/397] أَيْ سَهْلًا ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " .
وَالْمُرَادُ بِالْعَفْوِ هُنَا ضِدُّ الْجَهْدِ ، وَالْعَفْوُ : التَّسَاهُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، كَذَا فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ .
وَفِي جَامِعِ الْبَيَانِ : خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ؛ كَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ ، وَالْمُسَاهَلَةِ مَعَهُمْ . انْتَهَى .
وَفِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ : الْمَعْنَى : اقْبَلِ الْمَيْسُورَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ، وَلَا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَعْصُوا عَلَيْكَ ، فَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْنِي : خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَبُولِ الِاعْتِذَارِ مِنْهُمْ ، وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَنِ الْأَشْيَاءِ .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : مَا نَزَلَتْ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ ، وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ .
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَمِيدِيِّ قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ ، أَوْ كَمَا قَالَ . انْتَهَى كَلَامُ الْخَازِنِ .
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ : وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَفِي لَفْظٍ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ .
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : خُذِ الْعَفْوَ قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .