بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ
1 - بَاب بَدْءِ السَّلَامِ
6227 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ ، نفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ . فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ . فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ .


[11/5] قَوْلُهُ : ( كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ - بَابُ بَدْءِ السَّلَامِ ) الِاسْتِئْذَانُ طَلَبُ الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ لِمَحَلٍّ لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْتَأْذِنُ وَبَدْءٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْهَمْزُ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ ؛ أَيْ أَوَّلَ مَا وَقَعَ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا تَرْجَمَ لِلسَّلَامِ مَعَ الِاسْتِئْذَانِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ لِمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ .
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ : أَأَلِجُ ؟ فَقَالَ لِخَادِمِهِ : اخْرُجْ لِهَذَا فَعَلِّمْهُ ، فَقَالَ : قُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ، الْحَدِيثَ ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : بَعَثَنِي أَبِي إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ : أَأَلِجُ ؟ فَقَالَ : لَا تَقُلْ كَذَا ، وَلَكِنْ قُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْكَ فَادْخُلْ " .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ " اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ : أَأَدْخُلُ ؟ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَأْذَنُ لَهُ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَقَمْتَ إِلَى اللَّيْلِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ ) .
قَوْلُهُ : ( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَاخْتُلِفَ إِلَى مَاذَا يَعُودُ الضَّمِيرُ ؟ فَقِيلَ : إِلَى آدَمَ أَيْ خَلَقَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ أُهْبِطَ وَإِلَى أَنْ مَاتَ ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى ، أَوِ ابْتَدَأَ خَلْقَهُ كَمَا وُجِدَ لَمْ يَنْتَقِلْ فِي النَّشْأَةِ كَمَا يَنْتَقِلُ وَلَدُهُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ .
وَقِيلَ لِلرَّدِّ عَلَى الدَّهْرِيَّةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِنْسَانٌ إِلَّا مِنْ نُطْفَةٍ وَلَا تَكُونُ نُطْفَةُ إِنْسَانٍ إِلَّا مِنْ إِنْسَانٍ وَلَا أَوَّلَ لِذَلِكَ ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَقِيلَ لِلرَّدِّ عَلَى الطَّبَائِعِيِّينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الطَّبْعِ وَتَأْثِيرِهِ ، وَقِيلَ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبًا حُذِفَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَّ أَوَّلَهُ قِصَّةُ الَّذِي ضَرَبَ عَبْدَهُ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ .
وَقِيلَ : الضَّمِيرُ لِلَّهِ وَتَمَسَّكَ قَائِلُ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ، وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الصِّفَةُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ عَلَى صِفَتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ .
[11/6] قَوْلُهُ : ( اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بُعْدٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ بَلْ ضَعِيفٌ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ ، وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ مَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ ، كَذَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ .
وَقَدْ رَاجَعْتُ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : ابْتِدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ وَرَدُّهُ وَاجِبٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مِنْ عِبَادَاتِ الْكِفَايَةِ ، فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ الْمَشْهُورِ إِلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ هَلْ هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ ؟ وَقَدْ صُرِّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ ، نَعَمْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ عِيَاضٌ قَالَ : لَا خِلَافَ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ ، قَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَى قَوْلِهِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مَعَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ أَنَّ إِقَامَةَ السُّنَنِ وَإِحْيَاءَهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ .
قَوْلُهُ : ( نَفَرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ) بِالْخَفْضِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( فَاسْتَمِعْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَاسْمَعْ " .
قَوْلُهُ : ( مَا يُحَيُّونَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُهْمَلَةِ مِنَ التَّحِيَّةِ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي خَلْقِ آدَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مِنَ الْجَوَابِ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهَا ) أَيِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُحَيُّونَ بِهَا أَوْ يُجِيبُونَ .
قَوْلُهُ : ( تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالذُّرِّيَّةِ بَعْضُهُمْ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدُوكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شُرِعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَهُمْ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ قَالَ : وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : " فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ : جَعَلَ اللَّهُ السَّلَامَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنَا وَأَمَانًا لِأَهْلِ ذِمَّتِنَا . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : كُنَّا نَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ : أَنْعِمْ بِكَ عَيْنًا ، وَأَنْعِمْ صَبَاحًا . فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : حُيِّيتَ مَسَاءً حُيِّيتَ صَبَاحًا فَغَيَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ) ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لَهُ : " فَسَلِّمْ " ، قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَلْهَمَهُ ذَلِكَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي " بَابِ حَمْدِ الْعَاطِسِ " فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : أَنَّ آدَمَ لَمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ عَطَسَ فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ أَنْ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، الْحَدِيثَ . فَلَعَلَّهُ أَلْهَمَهُ أَيْضًا صِفَةَ السَّلَامِ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ هِيَ الْمَشْرُوعَةُ لِابْتِدَاءِ السَّلَامِ لِقَوْلِهِ : فَهِيَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ " وَهَذَا فِيمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ ، فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى وَاحِدٍ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَلَوْ حَذَفَ اللَّامَ فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " أَجْزَأَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ وَقَالَ تَعَالَى : فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَقَالَ تَعَالَى : سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، لَكِنْ بِاللَّامِ أَوْلَى لِأَنَّهَا لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّكْثِيرِ وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ [11/7] التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ .
قَالَ عِيَاضٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الِابْتِدَاءِ : عَلَيْكَ السَّلَامُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الْأَذْكَارِ " : إِذَا قَالَ الْمُبْتَدِئُ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ لَا يَكُونُ سَلَامًا وَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ، فَلَوْ قَالَهُ بِغَيْرِ وَاوٍ فَهُوَ سَلَامٌ ، قَطَعَ بِذَلِكَ الْوَاحِدِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي التَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعَدَّ سَلَامًا وَلَا يَسْتَحِقَّ جَوَابًا لِمَا رُوِينَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرِهِمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَبِي جُرَيٍّ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرٌ الْهُجَيْمِيِّ بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : لَا تَقُلْ : عَلَيْكَ السَّلَامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَرَدَ لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْإِحْيَاءِ " : يُكْرَهُ لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُخْتَارُ لَا يُكْرَهُ ، وَيَجِبُ الْجَوَابُ ; لِأَنَّهُ سَلَامٌ .
قُلْتُ : وَقَوْلُهُ : بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ طُرُقًا إِلَى الصَّحَابِيِّ الْمَذْكُورِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ أَبِي جُرَيٍّ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَدَارُهُ عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ أَخْرَجَهُ عَلَى أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ رَاوِيَةً عَنْ أَبِي جُرَيٍّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي خُرُوجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْبَقِيعِ ، الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ ؟ قَالَ : قُولِي : السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " .
قُلْتُ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَمَّا أَتَى الْبَقِيعَ : " السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَدِيثَ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ سَوَاءٌ ، بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ :
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنَ عَاصِمٍ "
.
قُلْتُ : لَيْسَ هَذَا مِنْ شِعْرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْمَرْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِمُسْلِمٍ مَعْرُوفٍ قَالَهَا لَمَّا مَاتَ قَيْسٌ ، وَمِثْلُهُ مَا أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْجِنَّ رَثَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِأَبْيَاتٍ مِنْهَا :
عَلَيْكَ السَّلَامُ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ
يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ : لَا يُعَارِضُ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحْيَاهُمْ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَامَ الْأَحْيَاءِ ، كَذَا قَالَ . وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ .
قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِمَنْ يَرَى أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَوْتَى وَبِمَنْ يَتَطَيَّرُ بِهَا مِنَ الْأَحْيَاءِ فَإِنَّهَا كَانَتْ عَادَةَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . قَالَ عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " الْهَدْيِ " فَنَقَّحَ كَلَامَهُ فَقَالَ : كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ فِي الِابْتِدَاءِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جُرَيٍّ وَصَحَّحَهُ
ثُمَّ قَالَ : أَشْكَلَ هَذَا عَلَى طَائِفَةٍ وَظَنُّوهُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى ، إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ لَا عَنِ الشَّرْعِ ، أَيْ أَنَّ الشُّعَرَاءَ وَنَحْوَهُمْ يُحَيُّونَ الْمَوْتَى بِهِ ، وَاسْتَشْهَدَ بِالْبَيْتِ الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ مَا فِيهِ ، قَالَ : فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحَيِّيَ بِتَحِيَّةِ الْأَمْوَاتِ .
وَقَالَ عِيَاضٌ أَيْضًا : كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي تَحِيَّةِ الْمَوْتَى تَأْخِيرَ الِاسْمِ ، كَقَوْلِهِمْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ عِنْدَ الذَّمِّ ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّصَّ فِي الْمُلَاعَنَةِ وَرَدَ بِتَقْدِيمِ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى الِاسْمِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ لِمَنْ زَارَ الْمَقْبُرَةَ فَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بِهَا ، وَحَدِيثُ أَبِي جُرَيٍّ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا فِي السَّلَامِ عَلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ .
وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ لَوْ قَالَ : عَلَيْكُمُ السَّلَامُ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهَا صِيغَةُ جَوَابٍ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى الْإِجْزَاءُ لِحُصُولِ مُسَمَّى السَّلَامِ ؛ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْوِي بِإِحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ حَضَرَ ، وَهِيَ بِصِيغَةِ الِابْتِدَاءِ ، ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ [11/8] يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الرَّدِّ وَعَكْسِهِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي " بَابِ مَنْ رَدَّ فَقَالَ : عَلَيْكَ السَّلَامُ " - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْبُخَارِيِّ هُنَا ، وَكَذَا لِلْجَمِيعِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالُوا : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ ، وَاسْتُدِلَّ بِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِ لِمَنْ يَقُولُ : يُجْزِئُ فِي الرَّدِّ أَنْ يَقَعَ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُبْتَدَأُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، قِيلَ : وَيَكْفِي أَيْضًا الرَّدُّ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي " بَابِ مَنْ رَدَّ فَقَالَ : عَلَيْكَ السَّلَامُ " .
قَوْلُهُ : ( فَزَادُوهُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الزِّيَادَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ لِوُقُوعِ التَّحِيَّةِ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا فَلَوْ زَادَ الْمُبْتَدِئُ : " وَرَحْمَتُ اللَّهِ " اسْتُحِبَّ أَنْ يُزَادَ : " وَبَرَكَاتُهُ " ، فَلَوْ زَادَ " وَبَرَكَاتُهُ " فَهَلْ تُشْرَعُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّدِّ ؟ وَكَذَا لَوْ زَادَ الْمُبْتَدِئُ عَلَى " وَبَرَكَاتُهُ " ، هَلْ يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ ؟ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " انْتَهَى السَّلَامُ إِلَى الْبَرَكَةِ " ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الشُّعَبِ " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَه قَالَ : " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ ، فَقَالَ : " حَسْبُكَ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ " انْتَهَى إِلَى " وَبَرَكَاتُهُ " .
وَمِنْ طَرِيقِ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : " قَالَ عُمَرُ : انْتَهَى السَّلَامُ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ " وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْجَوَازُ ، فَأَخْرَجَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْهُ أَنَّهُ زَادَ فِي الْجَوَابِ : وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ إِذَا رَدَّ السَّلَامَ ، فَأَتَيْتُهُ مَرَّةً فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَزِدْتُ : " وَبَرَكَاتُهُ " فَرَدَّ وَزَادَ : " وَطِيبُ صَلَوَاتِهِ " ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَطِيبُ صَلَوَاتِهِ .
وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا الْجَوَازُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْبَرَكَةِ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهَا الْمُبْتَدِئُ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : عَشْرٌ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : عِشْرُونَ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَزَادَ : وَبَرَكَاتُهُ ، فَرَدَّ وَقَالَ : ثَلَاثُونَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ : ثَلَاثُونَ حَسَنَةً " وَكَذَا فِيمَا قَبْلَهَا صَرَّحَ بِالْمَعْدُودِ .
وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي " عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ " مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ رَفَعَهُ : مَنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَمَنْ زَادَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً ، وَمَنْ زَادَ وَبَرَكَاتُهُ كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوَ حَدِيثِ عِمْرَانَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَزَادَ وَمَغْفِرَتُهُ فَقَالَ أَرْبَعُونَ ، وَقَالَ : هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي كِتَابِهِ بِسَنَدٍ وَاهٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَمُرُّ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَيَقُولُ لَهُ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الشُّعَبِ " بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : " كُنَّا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ إِذَا انْضَمَّتْ قَوِيَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الزِّيَادَةِ عَلَى وَبَرَكَاتُهُ
. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ : يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى كُلٍّ فَرْدٍ فَرْدٍ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّ فِيهِ : فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ ، وَتُعُقِّبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نُسِبَ إِلَيْهِمْ وَالْمُتَكَلِّمُ بِهِ [11/9] بَعْضُهُمْ ، وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا يُجْزِئُ عَنْهُمْ ، وَتُعُقِّبَ بِظُهُورِ الْفَرْقِ .
وَاحْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ : " يُجْزِي عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ ، وَيُجْزِي عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ ، وَآخَرُ مُرْسَلٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَاحْتَجَّ ابْنُ بَطَّالٍ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَدِئَ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ تَكْرِيرُ السَّلَامُ بِعَدَدِ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ سَلَامِ آدَمَ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى كُلٍّ فَرْدٍ فَرْدٍ إِذَا سَلَّمَ الْوَاحِدُ عَلَيْهِمْ . وَاحْتَجَّ الْمَاوَرْدِيُّ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْعَدَدِ مِنَ الْجَنَائِزِ ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : إِنَّمَا كَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا ; لِأَنَّ السَّلَامَ مَعْنَاهُ الْأَمَانُ ، فَإِذَا ابْتَدَأَ بِهِ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَإِنَّهُ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الشَّرُّ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ عَنْهُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَعَانِي لَفْظِ السَّلَامِ فِي " بَابِ السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى " .
وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ مُوَافَقَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، حَيْثُ قَالَ : لَا يَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عِنْدَ قِيَامِهِ مِنَ الْمَجْلِسِ إِذَا كَانَ سَلَّمَ حِينَ دَخَلَ ، وَوَافَقَهُ الْمُتَوَلِّي ، وَخَالَفَهُ الْمُسْتَظْهَرِيُّ فَقَالَ : السَّلَامُ سُنَّةٌ عِنْدَ الِانْصِرَافِ فَيَكُونُ الْجَوَابُ وَاجِبًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، كَذَا قَالَ .
قَوْلُهُ : ( فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا وَلِلْجَمِيعِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَوَقَعَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ " فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ يَعْنِي الْجَنَّةَ " وَكَأَنَّ لَفْظَ الْجَنَّةِ سَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ فَزَادَ فِيهِ يَعْنِي .
قَوْلُهُ : ( عَلَى صُورَةِ آدَمَ ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيَتَحَيَّوْنَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ . قُلْتُ : وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، ثُمَّ لَمَّا حَكَى لِلْعَرَبِ تَرْجَمَ بِلِسَانِهِمْ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ ذُكِرَتْ قَصَصُهُمْ فِي الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ نُقِلَ كَلَامُهُمْ بِالْعَرَبِيِّ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ بِالْعَرَبِيِّ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَهُمْ تُرْجِمَ بِالْعَرَبِيِّ ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِهِ وَالْأَخْذُ بِنُزُولٍ مَعَ إِمْكَانِ الْعُلُوِّ ، وَالِاكْتِفَاءُ فِي الْخَبَرِ مَعَ إِمْكَانِ الْقَطْعِ بِمَا دُونَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ آدَمَ وَالْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَوْقَ مَا نُقِلَ عَنِ الْإِخْبَارِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ بِكَثِيرٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ .