47 - بَاب إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ وَالْمُنَاجَاةِ
6290 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ ، أَجْلَ أَنْ ذلك يُحْزِنَهُ .


قَوْلُهُ ( بَاب إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ وَالْمُنَاجَاةِ ) أَيْ مَعَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ، وَسَقَطَ " بَابٌ " لِأَبِي ذَرٍّ ، وَعَطْفُ الْمُنَاجَاةِ عَلَى الْمُسَارَّةِ مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقِيلَ : بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ الْمُسَارَّةَ وَإِنِ اقْتَضَتِ الْمُفَاعَلَةَ لَكِنَّهَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يُلْقِي السِّرَّ ، وَمَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ ، وَالْمُنَاجَاةُ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْكَلَامِ سِرًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، فَالْمُنَاجَاةُ أَخَصُّ مِنَ الْمُسَارَّةِ فَتَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ .
قَوْلُهُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ .
قَوْلُهُ : فَلَا يَتَنَاجَ . فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِجِيمٍ لَيْسَ بَعْدَهَا يَاءٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلَ بَابٍ .
قَوْلُهُ : حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ ؛ أَيْ يَخْتَلِطَ الثَّلَاثَةُ بِغَيْرِهِمْ ، وَالْغَيْرُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَطَابَقَتِ التَّرْجَمَةُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً لَمْ يَمْتَنِعْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتَنَاجَى الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ " قُلْتُ : فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً ؟ قَالَ : لَا يَضُرُّهُ " وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَارِرَ رَجُلًا وَكَانُوا ثَلَاثَةً دَعَا رَابِعًا ، ثُمَّ قَالَ لِلِاثْنَيْنِ : اسْتَرِيحَا شَيْئًا ، فَإِنِّي سَمِعْتُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ : " فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَ رَجُلًا دَعَا آخَرَ ، ثُمَّ نَاجَى الَّذِي أَرَادَ " وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ : " إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ دَعَا رَابِعًا " وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ " أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ يَعْنِي سَوَاءً جَاءَ اتِّفَاقًا أَمْ عَنْ طَلَبٍ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ .
قَوْلُهُ : أَجْلَ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ أَيْ مِنْ أَجْلِ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِزِيَادَةِ : مِنْ " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ نَطَقُوا بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْقَاطِ " مِنْ " وَذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا ، وَيَجُوزُ كَسْرُ هَمْزَةِ " إِنَّ ذَلِكَ " وَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا قَالَ : وَإِنَّمَا قَالَ يُحْزِنُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجَوَاهُمَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيِهِمَا فِيهِ أَوْ لِدَسِيسَةٍ غَائِلَةٍ لَهُ .
قُلْتُ : وَيُؤْخَذُ مِنَ التَّعْلِيلِ اسْتِثْنَاءُ صُورَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ إِطْلَاقِ الْجَوَازِ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً ، وَهِيَ مِمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَاحِدِ الْبَاقِي وَبَيْنَ الِاثْنَيْنِ مُقَاطَعَةٌ بِسَبَبٍ يُعْذَرَانِ بِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمُنْفَرِدِ ، وَأَرْشَدَ هَذَا التَّعْلِيلُ إِلَى أَنَّ الْمُنَاجِيَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ إِذَا خَصَّ أَحَدًا بِمُنَاجَاتِهِ أَحْزَنَ الْبَاقِينَ امْتَنَاعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ لَا يَقْدَحُ فِي الدِّينِ .
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنْ أَشْهَبَ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشَرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نُهِيَ أَنْ يَتْرُكَ وَاحِدًا قَالَ : وَهَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ كَتَرْكِ الِاثْنَيْنِ لِلْوَاحِدِ ، قَالَ : وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ لِئَلَّا يَتَبَاغَضُوا وَيَتَقَاطَعُوا .
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْوَاحِدِ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ : بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَشَدُّ فَلْيَكُنِ الْمَنْعُ أَوْلَى ، وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَمَهْمَا وُجِدَ الْمَعْنَى فِيهِ أُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَكُلَّمَا كَثُرَ الْجَمَاعَةُ مَعَ الَّذِي لَا يُنَاجَى كَانَ أَبْعَدَ لِحُصُولِ الْحُزْنِ وَوُجُودِ التُّهْمَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا انْفَرَدَ جَمَاعَةٌ بِالتَّنَاجِي دُونَ جَمَاعَةٍ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ .